بقلم : جبريل العبيدي
البرلمان الليبي، آخر الأجسام السياسية المنتخبة شعبياً وديمقراطياً، يواجه اليوم جدلاً حول شرعية استمرار وجوده. رغم الخلاف الكبير والحاد حول شرعية الإجراءات التي تمَّت في جلسة إقالة رئيس البرلمان ونائبيه، فإنَّ الخلافات لم تتوقف داخل البرلمان الليبي الذي مدّد لنفسه شرعية فقدها منذ سنوات طويلة بانتهاء مدته القانونية، ولكنه عاد واكتسبها ضمن صفقة سياسية جمعته بالتساوي مع مجلس الدولة، الذي هو الآخر فاقد للشرعية الانتخابية ومنتهي الولاية الشرعية. لكن الخلافات داخل البرلمان كانت بشأن إدارة المرحلة السياسية المقبلة وإعادة ترتيب المؤسسات المنقسمة، في ظل انسداد المسار السياسي والانقسام بين شرق البلاد وغربها ووجود حكومتين متنازعتي الشرعية، بالتزامن مع ظهور حكومة ثالثة دخلت طرابلس وطالبت بتسليم السلطة في ليبيا لها، سلطة جديدة في مواجهة حكومتي طرابلس وبنغازي، مع إعلان مصطفى المجدوب الحكومة الثالثة من وسط طرابلس، بعد أن تم اختياره من قِبل مجموعة من السياسيين والنشطاء خلال اجتماع عقد في جنيف رئيساً لـ«حكومة موحدة» مجهولة هوية المنتخب والمنتخبين أيضاً، رغم دعمها من كيانات ميليشياوية مثل ما يسمى «ثوار مصراتة» و«ثوار طرابلس» وهي مسميات مجهولة الهوية.
أثار إسقاط رئيس البرلمان القلق والتوتر، بل التخوف على مصير البلاد بعد إسقاط رئاسته على نحوٍ عدّه بعضهم انقلاباً غير قانوني، وكان بعض النواب يتهمون رئيس البرلمان بإساءة استخدام منصبه ويطالبون برحيله، بعد 12 عاماً من دون تغيير في شاغل المنصب. إطاحة رئيس البرلمان ونائبيه، الذين تولوا مناصبهم منذ آخر انتخابات تشريعية في عام 2014، جاءت بعد سلسلة من الجلسات التشاورية التي شهدت جميعها انقساماً حاداً حول شرعية الانعقاد وصلاحيات مكتب رئاسة المجلس.
الحراك البرلماني أو الانقلاب، كما يسميه معارضوه، بدأ حينما صوّت 98 نائباً، من أصل 102 حضروا الجلسة، وهو إجراء عدّه بعضهم مخالفة صريحة للقوانين التي تشترط حضور 130 عضواً من أصل 200 لتحقيق النصاب المطلوب لانعقاد جلسة لتعديل اللائحة الداخلية، وإقالة هيئة الرئاسة وانتخاب هيئة جديدة، لكن رئيس البرلمان عقيلة صالح رفض مخرجات «جلسة 5 أكتوبر/تشرين الأول»، وعدّها غير رسمية ورأى أنها لا تترتب عليها آثار قانونية.
ودخل المجلس الرئاسي الليبي على خط المعارضة للتغيير في رئاسة البرلمان، إذ دعا رئيس المجلس الرئاسي الأطراف إلى ضرورة الالتزام بدولة القانون والمؤسسات. وأشار رئيس المجلس الرئاسي إلى أنَّ إزاحة رئيس البرلمان دون تقديم استقالته الطوعية قد لا تتوافق مع المرجعيات الدستورية المعمول بها، مما قد يعمق الانقسام السياسي في البلاد.
ما وصفه بعضهم بالخطوة المهمة للتغيير في رئاسة البرلمان التي استمرت أكثر من عشرة أعوام، وصفه طرف آخر بأنه خطوة متسرعة وغير دستورية لتعارضها مع القانون، وبذلك تصبح انقلاباً وليس تغييراً يحترم أبجديات القانون.
وفي تحليل وقراءة أخرى مغايرة للمشهد ترى أنَّ التغيير في رئاسة البرلمان جاء تلبيةً لإرادة القوى الخارجية المتدخلة في الشأن الليبي التي تعدُّ رئيس البرلمان «المقال» معرقلاً رئيسياً لأي مشروعات ترغب في تنفيذها في ليبيا، ومنها الخصخصة وقطاع النفط، على الرغم من الاختلاف الحاد على شرعية التغيير في رئاسة البرلمان ومطالبة بعض نواب المنطقة الغربية بعقد جلسة المجلس في طرابلس، على أن تكون علنية، وتضمن للنواب «حرية التعبير والتصويت»، رغم عدم قناعتي بحجة «حرية تعبير» في عاصمة تسيطر عليها ميليشيات مسلحة!
وعلى الرغم من الجدل القائم بين شرعية التغيير وعدمه، فإن هناك مَن قبل بنتائج جلسة بنغازي التي انتخبت رئيساً جديداً للبرلمان ومنهم مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس الذي بارك التغيير بالقول: «إن واشنطن ترحّب بانتخاب قيادة جديدة لمجلس النواب، وتتطلع إلى العمل معها لدفع العملية السياسية، بما يساعد على توحيد المؤسسات الليبية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية ناجحة».
كما عبرت البعثة الدولية عن متابعتها للتغيير في رئاسة البرلمان، وأوضحت أنَّها أُبلغت بانتخاب هيئة رئاسة جديدة، مؤكدة التزامها بالتعامل مع المجلس وقيادته الجديدة وجميع أعضائه، ومواصلة العمل معه ضمن خريطة الطريق المدعومة أممياً».
ليبيا اليوم تعاني من تنازع الشرعيات بين جميع الأجسام السيادية، وانتقلت إلى داخل الجسم الواحد، مما أصبح يهدد بتشظي الموحد وانقسام المنقسم والدخول في نفق الانسداد السياسي، بعد انفراجات سابقة كانت تنبئ ببصيص من الضوء والأمل في نهاية النفق المسدود منذ زمن.
بغض النظر عن شرعية الإجراءات وعن المنتفعين والمتضررين من التغيير، فإنَّه حرَّك المياه الراكدة في المشهد السياسي المتجمد منذ سنوات، لعلَّه يحقق تقدماً ولو بقيد أنملة.