توقيت القاهرة المحلي 17:56:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل كرة القدم فعلاً عالمية؟

  مصر اليوم -

هل كرة القدم فعلاً عالمية

بقلم:مأمون فندي

عندما يُنشر هذا المقال، سيكون مصير كأس العالم قد حُسم، ومعها تكون اللغة التي تنطق بها كرة القدم قد حُسمت أيضاً. فإذا رفعت إسبانيا الكأس، أو حملتها الأرجنتين، فستكون الكرة قد تحدثت بالإسبانية. لكن الإسبانية ليست لغتها الأم.

وُلدت كرة القدم وهي تتحدث الإنجليزية؛ فقد وُضعت قواعدها الحديثة في المدارس والنوادي البريطانية، وحملها البحارة والتجار والجنود وموظفو الإمبراطورية إلى الموانئ البعيدة. وكانت، مثل السكك الحديدية والإدارة المدنية واللغة الإنجليزية نفسها، جزءاً من الحقيبة البريطانية التي جابت العالم.

ثم بدأت كرة القدم، كما بدأت الإنجليزية من قبلها، تعيش حياة مستقلة عن أصحابها. تحركت في فضاءات جديدة، واكتسبت لهجات محلية، وأصبحت تتحدث البرتغالية في البرازيل، والإسبانية في الأرجنتين والأوروغواي، والفرنسية في أفريقيا، والعربية في القاهرة والرياض والدار البيضاء. ولم تعد بريطانيا تملكها، كما لم تعد تملك الإنجليزية.

لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي؛ فعالمية كرة القدم، كعالمية الإنجليزية، ليست حقيقة مكتملة بقدر ما هي انطباع صنعه تاريخ القوة. فالإنجليزية ليست لغة غالبية البشر، لكنها لغة الجامعات، والأسواق، والعلوم، والطيران، والدبلوماسية. إنها لغة التواصل، لا لغة الوجدان. وكذلك كرة القدم؛ فهي ليست الرياضة الأولى في كل مجتمع، لكنها الرياضة التي قُدِّمت بوصفها اللغة المشتركة للرياضة العالمية.

ومن هذه الفرضية ينطلق هذا المقال؛ فهو لا يناقش كرة القدم بوصفها لعبة، بل بوصفها مثالاً على الكيفية التي تصنع بها القوة مفهوم «العالمية».

عندما ننظر شرقاً، إلى الهند وباكستان والصين، تظهر حدود هذه العالمية؛ فكيف وصلت كرة القدم إلى معظم مستعمرات الإمبراطورية البريطانية، ثم بقيت على الهامش في أكبر مستعمراتها؟ ولماذا اختارت الهند لعبة أخرى هي الكريكيت، أكثر الألعاب البريطانية التصاقاً بصورة الإمبراطورية عن نفسها؟

لم ترفض الهند رياضة المستعمِر، بل اختارت لعبته الأكثر إمبراطورية، ثم استولت عليها وحوَّلتها إلى أداة للثأر الرمزي منه. أصبحت هزيمة إنجلترا في ملعب الكريكيت شكلاً من أشكال إخراجها المتأخر من المستعمرة. رحل البريطانيون، وبقيت لعبتهم غنيمة حرب.

ولأن الهند وباكستان كانتا جسداً واحداً قبل التقسيم، وجدت ذاكرة الحدود والحروب وكشمير والسلاح النووي تعبيرها في الكريكيت أكثر مما وجدته في كرة القدم؛ فالكريكيت هناك ليست مجرد رياضة، بل لغة تاريخ مشترك وانقسام مؤلم.

وليست الهند وحدها خارج المركز العاطفي لكرة القدم، فالصين أيضاً لم تجعلها رياضتها الأولى، والفلبين اختارت كرة السلة، بينما ظلت البيسبول منافساً قوياً لكرة القدم في اليابان. وهذه ليست استثناءات صغيرة، بل مجتمعات تضم أكثر من ثلث سكان العالم.

أما الصين، فتقدم مفارقة أخرى؛ فالدولة التي تجعل الجماعة محور آيديولوجيتها حققت جانباً كبيراً من مجدها الرياضي في الألعاب الفردية: تنس الطاولة، والجمباز، والغطس، ورفع الأثقال.

كيف لدولة تمجد الجماعة أن تستثمر في الفرد؟

لعل الجواب أن الفرد هنا ليس فرداً سياسياً، بل وحدة إنتاج رياضي؛ يقف وحده على منصة التتويج، لكنه يمثل الأمة كلها. إنه فرد في الأداء، وجماعة في المعنى.

ومع ذلك يبقى السؤال قائماً: لماذا لم تتحول الصين إلى قوة كروية بحجم قوتها الاقتصادية؟

ربما لأن كرة القدم تحتاج إلى أكثر من الانضباط؛ تحتاج إلى لاعب يرى ما لم يره المدرب، ويتخذ قراراً في جزء من الثانية من دون الرجوع إلى سلطة أعلى. فالفرق الكبرى لا تلغي الفرد، بل تمنحه حرية الإبداع داخل النظام.

وهنا تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة؛ فهي تذكرنا بأن المجتمعات الناجحة، مثل الفرق الناجحة، لا تقوم على الاختيار بين الفرد والجماعة، بل على العلاقة الخلاقة بينهما.

لكن السؤال الأهم ليس عن الهند أو الصين، بل عن معنى العالمية ذاته.

لقد اعتدنا أن نصف ما ينتشر في أوروبا والأميركتين بأنه «عالمي»، بينما نصف ما يتبناه مئات الملايين في آسيا بأنه «محلي» أو «إقليمي». الكريكيت، رغم جماهيريتها الهائلة، لا تُقدَّم بوصفها لعبة العالم، كما لا تُقدَّم كرة السلة في الفلبين أو البيسبول في اليابان بهذه الصفة.

وليس ذلك مؤامرة، بل نتيجة طبيعية لبنية القوة؛ فمن يملك الجامعات، ووسائل الإعلام، والأسواق، وشركات البث، يملك أيضاً حق تعريف العالم. وهو الذي يقرر ما هو عالمي وما هو هامشي، وما يستحق أن يمثل البشرية وما يبقى مجرد خصوصية ثقافية.

ولهذا لم يعد السؤال: لماذا لم تنجح كرة القدم في الهند أو الصين؟ والسؤال الأعمق هو: من يملك حق تعريف ما هو عالمي أصلاً؟

فربما تكون كرة القدم، مثل الإنجليزية، لغة مشتركة للتواصل، لكنها ليست اللغة التي يحلم بها الجميع، ولا التي يعبر بها كل مجتمع عن ذاته. وربما لا يكون العالمي ما يشترك فيه البشر جميعاً، بل ما نجح مركز القوة في تقديمه بوصفه لسان البشرية.

وعندها تصبح كرة القدم أكثر من لعبة؛ إنها نافذة نرى من خلالها كيف تُصنع فكرة العالم نفسها، ومن يملك حق رسم حدوده، ومن يكتب تحت صورته كلمة «العالمية».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل كرة القدم فعلاً عالمية هل كرة القدم فعلاً عالمية



GMT 07:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 07:33 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 07:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 07:22 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 06:29 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أكتوبر الفلسطيني بين المحاكمة والتقويم والخلاصة

GMT 06:24 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 06:05 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ مصر اليوم

GMT 07:17 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 14:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
  مصر اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 04:54 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 05:00 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:37 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:57 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:49 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:35 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 10:38 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

ميراث العلماء يعمر الكون ويقهر ظلمات الجهل والخرافة

GMT 04:56 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:38 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 07:10 2024 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

صدور الأعمال الروائيّة الكاملة لغسّان كنفاني

GMT 13:08 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 01:30 2017 الأحد ,17 أيلول / سبتمبر

سارة سلامة بزيادة وزن كبيرة في أحدث إطلالة لها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt