توقيت القاهرة المحلي 17:56:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأمم المتحدة... ما قيمة الحق دون حماية؟

  مصر اليوم -

الأمم المتحدة ما قيمة الحق دون حماية

بقلم:مأمون فندي

كان أسبوعاً صاخباً في نيويورك مع افتتاح جلسات الجمعية العامة، حافلاً بالخطابات؛ بعضها ملهم، وبعضها غارق في البيروقراطية أو المثالية. لكن الواضح أنَّنا أمام مؤسسة دولية نجحت في أن تكون منبراً للخطابة، وتعجز عن تحويل خطابها إلى حماية. وقبل أن نحمّل الفشل كله على مؤسسات الأمم المتحدة، علينا إدراك أنَّ قوة المنظمة وفاعلية قراراتها تعتمدان على استعداد الدول الأعضاء، وخصوصاً القوى الكبرى في مجلس الأمن، لحماية القرارات الدولية وصون شرعيتها بالتزام القانون الدولي؛ فالخطابة لا تكفي.

وتفرض هذه المفارقة خمس قضايا استراتيجية: تآكل الشرعية، وانتقال القرار خارج المؤسسة، وتحويل التمويل إلى أداة إخضاع، وتفكك الترابط بين وظائف المنظمة، وإصلاح موازين القوة والتمثيل داخلها.

ترى، ما معنى أن تقف الأمم المتحدة مع حق فلسطين في الوجود كدولة، أو مع حل الدولتين، وهي عاجزة عن حماية الفلسطينيين من الإبادة؟ وكيف تتحوَّل منصتها إلى مكان يتهم فيه نتنياهو المحتجين على سياساته بالجبن الأخلاقي، بعدما انسحبت وفود عديدة احتجاجاً على كلمته؟ ما قيمة الاعتراف بحق شعب إذا ظلَّ بقاؤه معلقاً بإرادة من يملك السلاح، ولم يبقَ لدى المنظمة سوى الإدانة ومناشدات وقف القتل؟

تكشف هذه الأسئلة جوهر أزمة النظام الدولي: الفجوة بين إعلان الحق والقدرة على حمايته. فالأمم المتحدة ليست حكومة عالمية تملك جيشاً مستقلاً وإرادة تعلو على الدول، لكنَّها ترتيب سياسي وقانوني تعهد أعضاؤه بتحمل مسؤوليات مشتركة. وعندما يعطّل الأقوياء هذه المسؤوليات، ثم يلومون المؤسسة على عجزها، فإنَّهم يحاكمون نتائج سياساتهم ويتنصلون منها.

القضية الأولى هي الشرعية. يستمد القرار الدولي قيمته العملية من احترامه، ومن التكلفة التي يتحملها من يخالفه. وإذا تراكمت القرارات المعطلة، تعلّم القوي أنَّ التجاهل ممكن، وتعلّم الضعيف أنَّ الاعتراف بمعاناته لا يضمن إنهاءها. عندئذ تتفاوت قيمة القانون بحسب هوية صاحبه وحلفائه. واستعادة الشرعية تتطلب آليات متابعة، وجداول تنفيذ، وتدابير دبلوماسية واقتصادية تجعل الانتهاك مكلفاً، بدلاً من مكافأة صاحبه بالوقت.

وفي فلسطين، تعني حماية تقرير المصير حماية البشر والأرض والمؤسسات التي تجعل الدولة ممكنة. فالاعتراف المتزامن مع تدمير شروط قيام الدولة قد يتحوَّل إلى تعويض لغوي عن خسارة سياسية. والامتحان هو منع استخدام زمن التفاوض لتغيير الجغرافيا، بحيث تصبح الدولة المعترف بها اسماً بلا مجال للحياة.

القضية الثانية هي انتقال القرار خارج المؤسسة. فالسؤال ليس عدد الرؤساء الحاضرين، وإنَّما أين تُصنع التسويات، ومن يشارك فيها. حين تتفاوض قلة على مستقبل دولة، ثم تطلب من المنظمة التَّصديق، تتحول العضوية الواسعة إلى جمهور. وقد تكون المفاوضات المحدودة ضرورية، لكن مشروعيتها تستلزم مشاركة أصحاب القضية، وخضوع نتائجها للقانون، وضمانات تنفيذ تخضع للمساءلة؛ وإلا غدتِ الأمم المتحدة مكتباً لتسجيل موازين القوة.

القضية الثالثة هي التمويل بوصفه سلطة. فالجهة التي تستطيع حجب الموارد تستطيع التأثير في الأولويات، حتى دون تعديل الميثاق. وعندما تحل المساهمات الطوعية والمشروطة محل التمويل المستقر، يتَّسع نفوذ المانح على حساب استقلال المؤسسة. المطلوب تمويل يمكن توقعه، والتزام بسداد المستحقات، وشفافية تربط الإنفاق بالنتائج. فالكفاءة ضرورية، لكن اختزال الإصلاح في خفض الميزانيات قد يدمر القدرة التي يُفترض أنَّه يريد تحسينها.

القضية الرابعة هي تفكك وظائف المنظمة. لا يمكن تمويل الإغاثة وإهمال منع الحرب، أو طلب انتخابات دون مؤسسات، أو مطالبة اللاجئين بالعودة دون أمن... هذه حلقات مترابطة، وتعطيل إحداها ينقل التكلفة إلى البقية. والأخطر أن تصبح المساعدات إدارة دائمة لنتائج العنف، في حين يبقى منتجه محصناً. لذلك ينبغي وصل العمل الإنساني بمسار سياسي يحمي الحقوق، مع صون استقلال الإغاثة، حتى لا يصبح الخبز نفسه ورقة تفاوض.

القضية الخامسة هي إصلاح القوة والتمثيل. توسيع مجلس الأمن قد يعالج نقص التمثيل، لكنَّه لا يكسر الشلل إذا أعاد إنتاج الامتيازات نفسها. الإصلاح الجاد يقاس بتحسين القدرة على اتخاذ القرار ومساءلة معطّليه، وبتمثيل أعدل للمناطق المحرومة. ويبدأ بالضغط لتقييد استخدام «الفيتو» في الفظائع الجماعية، وبناء تحالفات تدفع إجراءات قانونية ودبلوماسية متاحة، دون انتظار اتفاق شامل قد لا يأتي.

عربياً، يتطلب ذلك تحويل الحضور السنوي إلى عمل متصل: تنسيق التصويت، وتمويل المؤسسات الضرورية، وحشد الشركاء، وربط العلاقات الثنائية بمواقف عملية تحمي الفلسطينيين. فالأغلبية العددية لا تصبح قوة إلا بالتنظيم والاستمرار والاستعداد لتحمل التكلفة. وهذا يقتضي تحديد المسؤول عن كل التزام، وموارد تنفيذه، وموعد مراجعة نتائجه.

مستقبل الأمم المتحدة يتوقَّف على استعداد أعضائها لتحويل الالتزام إلى قدرة. وعلى إسرائيل أن تدرك أن لهذه السياسات ثمناً سياسياً واقتصادياً وقانونياً لا تستطيع الإفلات منه. حين تصبح التكلفة حقيقية، قد يتغير المشهد كله.

إنَّ الإبادة في غزة كارثة تستدعي مراجعة أسس النظام الدولي. وكما دفعت فظائع الحرب العالمية الثانية إلى بناء مؤسسات وقواعد جديدة، ينبغي أن يدفع ما جرى في غزة إلى واقع يحمي البشر ويحاسب الجناة. فلا يجوز أن تنتهي هذه المأساة ببيان إدانة آخر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأمم المتحدة ما قيمة الحق دون حماية الأمم المتحدة ما قيمة الحق دون حماية



GMT 07:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 07:33 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 07:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 07:22 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 06:29 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أكتوبر الفلسطيني بين المحاكمة والتقويم والخلاصة

GMT 06:24 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 06:05 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ مصر اليوم

GMT 07:17 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 09:02 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

جرعة جينية واحدة تحسن البصر وتعيد بناء شبكية العين
  مصر اليوم - جرعة جينية واحدة تحسن البصر وتعيد بناء شبكية العين

GMT 14:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
  مصر اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 09:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

غوغل تبدأ رسمياً تقييد تثبيت التطبيقات الخارجية في أندرويد
  مصر اليوم - غوغل تبدأ رسمياً تقييد تثبيت التطبيقات الخارجية في أندرويد

GMT 04:54 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 05:00 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:37 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:57 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:49 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:35 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 10:38 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

ميراث العلماء يعمر الكون ويقهر ظلمات الجهل والخرافة

GMT 04:56 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:38 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 07:10 2024 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

صدور الأعمال الروائيّة الكاملة لغسّان كنفاني

GMT 13:08 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 01:30 2017 الأحد ,17 أيلول / سبتمبر

سارة سلامة بزيادة وزن كبيرة في أحدث إطلالة لها

GMT 14:33 2019 الأحد ,08 أيلول / سبتمبر

مطلوب موظفين بعدة مجالات في الكويت والامارات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt