توقيت القاهرة المحلي 17:56:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«خواكين»... عندما يُصبح الراقص هو الرقصة

  مصر اليوم -

«خواكين» عندما يُصبح الراقص هو الرقصة

بقلم:مأمون فندي

شاهدت عرضاً لراقص الفلامنكو العالمي خواكين كورتيز، ولم تبهرني الكوريغرافيا بقدر ما أبهرتني لحظة اقترب فيها خطّان: الراقص والرقصة، حتى تلامسا ثم اختفى الخط الفاصل بينهما، وصارا للحظة خطّاً واحداً. لم يعد كورتيز يؤدي الفلامنكو؛ صار هو الفلامنكو، ولم تعد قدماه تضربان الأرض لتصنعا الإيقاع، بل بدا كأن الأرض هي التي تضرب من خلال قدميه.

شاهدته وهو أكثر شباباً في رويال ألبرت هول في لندن منذ أكثر من 12 عاماً، وها أنا أشاهده للمرة الثانية في مدريد وأتحدّث إليه.

في جلسة جمعتني به وزوجته بعد العرض، تحدّثا عن رحلة المعاناة التي سبقت كل هذا النجاح. حكى خواكين عن بداياته المبكرة، وعن انتقاله بين عوالم الرقص المختلفة، من الفلامنكو إلى الباليه. لكن ما بقي في ذهني لم يكن تاريخ الفرق التي رقص معها، بل جملة قالتها زوجته. قالت إنهم كانوا، في مرحلة من بداياته، يحذفون وجهه من بعض صور إعلانات الفرقة. وحين سأل عن السبب، قيل له إن وجهه «ليس جذاباً بما يكفي». وهذه صورة مخففة لما سمعه.

تخيّل أن يقال لشاب في الخامسة عشرة إن وجهه قبيح؟

ربما لهذا، وأنا أشاهده يرقص بعد كل هذه السنوات، لم أرَ رجلاً يرقص فقط؛ رأيت جسداً يرد على حكم قديم. كأن كل ضربة قدم على الأرض تقول لذلك الشاب: أنا هنا. وجهي هنا. جسدي هنا. ولن يستطيع أحد بعد اليوم أن يحذفني من الصورة.

قال لي خواكين إن الرقص، ولغة الجسد عموماً، هما اللغة العالمية التي تسبق الكلمات؛ فالإنسان يستطيع أن يفهم حركة الجسد قبل أن يعرف لغة صاحبه، ثم تحدث عن شيء بدا لي أكثر أهمية: الطاقة. قال إن طاقة الراقص لا تبقى محبوسة في جسده، بل تنتقل منه إلى الجمهور، وعندما يحدث هذا الانتقال تولد الجاذبية والدهشة معاً. عندها لا يعود الجمهور متفرجاً على الرقصة من الخارج، بل يدخل فيها ويُصبح جزءاً من دائرتها.

وأراني، بفخر واضح، مقطع فيديو لحركات له قال إنها كانت مصدر إلهام لمايكل جاكسون. لم يكن فخره، كما فهمته، فخر رجل يريد أن يثبت أسبقية حركة أو تقنية، بل فخر مَن يعرف أن لغة جسده عبرت الحدود، ودخلت جسد فنان آخر، ثم عادت إلى العالم في صورة جديدة.

وهنا تذكّرت راقص الفلامنكو العجوز في رواية «رسول». يقول لسلمى إن أمها كانت تأتي إليه أيام الشباب، وكانت تقول: عندما نكبر وتتألم أرجلنا، سنحوّل ما يبدو عرجاً ووهناً إلى ضربات بالأقدام على الأرض، ليظل الجرح مفتوحاً؛ فمن الجرح يدخل المعنى.

هذه، في ظني، فلسفة الفلامنكو تحت الفلامنكو.

فالـduende ليس جمال الحركة، ولا كمال الجسد، بل تلك اللحظة التي يعبر فيها الجرح من الجسد إلى الفن. والـcompás ليس مجرد ميزان موسيقي، وإنما محاولة لترتيب الزمن داخل جسد يعرف أن الزمن سيهزمه في النهاية. أما ضرب الأرض بالقدم فليس إيقاعاً فقط، بل إعلان وجود: أنا هنا.

ولهذا يقول العجوز في «رسول»: «كانت أمك تضرب بقدمها لإثبات صك الملكية، وكنا نحن نضرب بأقدامنا لتنطق الأرض أسماءنا».

الغجري الذي لا يملك صكّاً يُطالب الأرض بالإيقاع. والمهمش الذي أرادوا حذفه من الصورة يعود فيجعل الصورة كلها تدور حوله.

وربما كانت المفارقة الأجمل في قصة خواكين كورتيز أن الشاب الذي قيل له يوماً إن وجهه لا يصلح للصورة، انتهى إلى رجل لم تعد الصورة قادرة على احتوائه.

وأنا أشاهده، فهمت أن أقصى درجات الفن ليست أن تتقن الحركة، بل أن تختفي المسافة بينك وبينها.

عندها يصبح الراقص هو الرقصة، والرقصة طاقة، والطاقة ذاكرة، تظلُّ الذاكرة جرحاً مفتوحاً يدخل منه المعنى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«خواكين» عندما يُصبح الراقص هو الرقصة «خواكين» عندما يُصبح الراقص هو الرقصة



GMT 07:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 07:33 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 07:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 07:22 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 06:29 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أكتوبر الفلسطيني بين المحاكمة والتقويم والخلاصة

GMT 06:24 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 06:05 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ مصر اليوم

GMT 07:17 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 09:02 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

جرعة جينية واحدة تحسن البصر وتعيد بناء شبكية العين
  مصر اليوم - جرعة جينية واحدة تحسن البصر وتعيد بناء شبكية العين

GMT 14:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
  مصر اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 09:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

غوغل تبدأ رسمياً تقييد تثبيت التطبيقات الخارجية في أندرويد
  مصر اليوم - غوغل تبدأ رسمياً تقييد تثبيت التطبيقات الخارجية في أندرويد

GMT 04:54 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 05:00 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:37 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:57 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:49 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:35 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 10:38 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

ميراث العلماء يعمر الكون ويقهر ظلمات الجهل والخرافة

GMT 04:56 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:38 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 07:10 2024 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

صدور الأعمال الروائيّة الكاملة لغسّان كنفاني

GMT 13:08 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 01:30 2017 الأحد ,17 أيلول / سبتمبر

سارة سلامة بزيادة وزن كبيرة في أحدث إطلالة لها

GMT 14:33 2019 الأحد ,08 أيلول / سبتمبر

مطلوب موظفين بعدة مجالات في الكويت والامارات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt