توقيت القاهرة المحلي 17:56:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«الماتيس»

  مصر اليوم -

«الماتيس»

بقلم:مأمون فندي

في كتابه المؤسس «سيينغ لايك إيستيت» (عين الدولة) طرح أستاذنا جيمس سي. سكوت مفهوم «الماتيس» (Metis)، وهي كلمة يونانية قديمة تشير إلى نوع من المعرفة العملية التي لا تأتي من الكتب أو المخططات، بل من المعاشرة الطويلة للأشياء والناس والبيئة؛ معرفة الراعي بقطيعه، والفلاح بأرضه، والصياد بالنهر، والعامل بالماكينة التي يسمع صوتها كل يوم، فيعرف من تغيّر نبرتها أن هناك خطأ ما.

الماتيس، بهذا المعنى، ليس نقيض العلم، وليس دعوة رومانسية للعودة إلى الماضي وتجاهل ما هو حديث، بل تنبيه إلى حدود المعرفة المجردة حين تنفصل عن المكان والخبرة. وظني أن هذه واحدة من مشاكلنا الأساسية في قصة التعريب والتغريب. فالمهندس الذي تعلم في الغرب يعرف الماكينة من خلال التصميم، لكن العامل الذي عاش معها عشرين عاماً في سياقها المحلي يعرف الماكينة من تغيّر صوت خافت؛ أين دخل الطين، وأي جزء يحتاج إلى إصلاح. الفكرة هي أن المهندس يمتلك معرفة قابلة للتعميم، أما الممارس المحلي فيعرف ما ليس مكتوباً في «الكتالوج».

ومن هنا تأتي أهمية فكرة الماتيس في إعادة طرح سؤال التنمية في عالمنا العربي. فقد تعاملنا طويلاً مع التنمية باعتبارها «بلو برنت»؛ أي مخططاً جاهزاً يمكن نقله من مكان نجح فيه إلى مكان آخر: جامعة أميركية في دولة عربية، أو مدينة أوروبية على الخليج، نظام إداري فرنسي في قرية مصرية، نموذج زراعي هولندي في بيئة مختلفة في الماء والتربة والعلاقات الاجتماعية. ودائماً نفكر أن المشكلة في مجتمعاتنا التي لا تشبه النموذج، وبالتالي فإن العلاج هو مطابقة الواقع المحلي مع المكتوب على الورق. لكن ماذا لو كان السؤال معكوساً؟ ماذا لو لم تكن المشكلة دائماً في الواقع الذي يرفض الخطة، بل في الخطة التي لا تعرف الواقع، أو أن منفذها لديه معرفة محدودة عن الواقع؟

هنا يصبح «الماتيس» مفهوماً سياسياً وتنموياً بالغ الأهمية. فكل مجتمع يمتلك مخزوناً من المعرفة المحلية المتراكمة: كيف يوزع الماء، وكيف يتعامل مع الجفاف، وكيف يبني في الحر، وكيف ينظم السوق، وكيف يحل النزاعات الصغيرة قبل وصولها إلى الدولة. هذه المعرفة قد لا تكون مكتوبة، وقد تبدو أمام الخبير القادم من الخارج غير علمية أو غير منظمة، لكنها في الحقيقة حصيلة مئات السنين من التجارب.

المشكلة تبدأ عندما ترى الدولة أو المؤسسة الدولية الواقع الاجتماعي المحلي من أعلى. من المكتب تبدو الأرض خطوطاً ومساحات، والسكان أرقاماً، والقرية وحدة إدارية، والمزارع رقماً في جدول. وهذه الرؤية ضرورية للإدارة، لكنها تصبح خطرة عندما تتصور أنها الواقع كله. فالخريطة ليست الأرض، والإحصاء ليس المجتمع، والـمخطط ليس هو الواقع.

خذ مثال الساقية أو ماكينة الري عندنا في الصعيد؛ يستطيع المهندس أن يستبدل بها مضخة حديثة أكثر كفاءة وفق الحسابات. لكن الساقية والماكينة الصغيرة ليست مجرد آلة لرفع الماء؛ حولها معرفة بتوقيت الري، وتقسيم المياه، ونوعية الأرض، وعلاقات بين أصحاب الحقول، وخبرة بالصيانة والمواد المتاحة. إذا استبدلت الآلة وحدها ربما اكتشفت أنك اضطررت إلى تغيير شبكة كاملة كي تجعل «الحل الحديث» يعمل. عندها يصبح السؤال: هل قمنا بتحديث الساقية، أو أعدنا تشكيل القرية لكي تناسب الماكينة؟

لا يعني ذلك رفض الاقتباس من الغرب أو الشرق. فالتنمية نفسها قائمة على انتقال المعرفة. المسألة هي الفرق بين الاقتباس والاستنساخ. الاقتباس يسأل: ما الذي نجح هناك؟ ولماذا نجح؟ وما الشروط التي جعلته ممكناً؟ ثم يسأل السؤال الأهم: ماذا يجب أن نغير فيه لكي يعمل هنا؟ أما الاستنساخ فيأخذ الشكل النهائي ويزرعه في بيئة مختلفة، ثم يلوم البيئة عندما يذبل.

لهذا قد يكون أفضل نموذج للتنمية ليس المخطط، بل ترجمة المخطط ليتوافق مع الواقع المحلي. هنا تظهر مسألة التوطين؛ فالتوطين يجب ألا يستبدل كلمة بكلمة. التوطين هو أن تنقل المعنى إلى السياق الجديد. وكذلك التنمية: لا ننقل المؤسسة كما هي، بل الوظيفة التي جعلتها ناجحة، ثم نبحث عن الصيغة المحلية القادرة على أداء الوظيفة نفسها.

الماتيس إذن يدعونا إلى إعادة الاعتبار لمن يعيشون داخل المشكلة، لا باعتبارهم مستفيدين ينتظرون الحل، بل أصحاب معرفة يشاركون في صنعه. الفلاح ليس مجرد متلقٍّ لسياسة زراعية، والعامل ليس مجرد يد تنفذ تعليمات المهندس، وسكان المدينة ليسوا عقبة أمام المخطط العمراني. هؤلاء يحملون جزءاً من المعرفة التي يفتقدها المخطط.

ربما كان فشل كثير من مشروعات التنمية عندنا ناتجاً عن سؤال خاطئ؛ نسأل: كيف نجعل واقعنا يشبه النموذج الناجح؟ في حين أن السؤال الأذكى هو: كيف نأخذ من النموذج ما يفيدنا، ثم نعيد تفكيكه وتركيبه حتى يصبح ابناً للمكان؟ التنمية الحقيقية لا تبدأ عندما تصل الخطة، بل عندما تبدأ الخطة في الاستماع إلى صوت الماكينة، عندما تتعرف على المكان من أجل التوطين مثل زراعة شتلة في تربة جديدة. أسئلة التوطين والتنمية تتطلب المعرفة المحلية قبل شراء المخطط، وهذا هو تعريف التنمية الناجحة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الماتيس» «الماتيس»



GMT 07:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 07:33 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 07:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 07:22 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 06:29 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أكتوبر الفلسطيني بين المحاكمة والتقويم والخلاصة

GMT 06:24 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 06:05 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ مصر اليوم

GMT 07:17 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 09:02 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

جرعة جينية واحدة تحسن البصر وتعيد بناء شبكية العين
  مصر اليوم - جرعة جينية واحدة تحسن البصر وتعيد بناء شبكية العين

GMT 14:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
  مصر اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 09:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

غوغل تبدأ رسمياً تقييد تثبيت التطبيقات الخارجية في أندرويد
  مصر اليوم - غوغل تبدأ رسمياً تقييد تثبيت التطبيقات الخارجية في أندرويد

GMT 04:54 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 05:00 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:37 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:57 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:49 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:35 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 10:38 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

ميراث العلماء يعمر الكون ويقهر ظلمات الجهل والخرافة

GMT 04:56 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:38 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 07:10 2024 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

صدور الأعمال الروائيّة الكاملة لغسّان كنفاني

GMT 13:08 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 01:30 2017 الأحد ,17 أيلول / سبتمبر

سارة سلامة بزيادة وزن كبيرة في أحدث إطلالة لها

GMT 14:33 2019 الأحد ,08 أيلول / سبتمبر

مطلوب موظفين بعدة مجالات في الكويت والامارات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt