توقيت القاهرة المحلي 22:51:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مصنع الأخبار الحلوة

  مصر اليوم -

مصنع الأخبار الحلوة

بقلم : داليا شمس

 طالعت فى الصحف خبر تنظيم مؤتمر حول الإعلام الإيجابى، نهاية شهر يناير الماضى، فى بيروت، ما جعلنى أتوقف مجددا عند هذا المفهوم الذى بدأ فى الانتشار مؤخرا، خاصة على يد جمعيات ومنصات مثل «مراسلو الأمل« التى ظهرت عام 2004 أو «سبارك نيوز« التى لم يتجاوز عمرها ست سنوات. الجمعية الأولى كانت وراء إطلاق المفهوم الذى يشار له أيضا بالصحافة البناءة أو ذات التأثير، أما المنصة الثانية فساهمت بفاعلية فى الترويج له، معلنة عن طموحها فى أن تشكل على المدى القصير الصحافة الإيجابية ما بين 5 و 10% من المحتوى الإعلامى السائد. الأمر يتعلق بالتصدى لأخبار إيجابية حول مبادرات ناجحة قام بها أفراد أو لقصص تحمل حلولا للمشكلات التى يتم عرضها، حتى لا يظل القارئ أسيرا لأنباء الحرب والكرب والقتل والإرهاب والكوارث، التى ملها وصارت تؤثر على حالته النفسية فأحجم عن شراء الصحف ومتابعة الأحداث، وفقا لبعض دراسات السوق والمبيعات. على سبيل المثال بدلا من الاكتفاء بتناول آثار إعصار أو فيضان، تنشر الصحف التى تتبنى هذا المفهوم موضوعات حول التعامل الإيجابى للمواطنين مع الكارثة الطبيعية، وكيف تغلبوا عليها، وبدلا من عمل ريبورتاج حول تأخر القطارات عن مواعيدها يتم طرح حلولا أو بدائل، مع فتح باب النقاش بمشاركة الجمهور، أو تخصص الصحف والبرامج أبوابا ثابتة تقدم من خلالها بورتريهات لأبطال هذا الزمن من البسطاء والناس العاديين الذين أحدثوا فرقا. أى أنها دعوة للتفاؤل والإيجابية أمام طوفان الكآبة الذى لم يعد يحتمله المتلقى. وقد تبنتها أكثر من 55 جريدة حول العالم تحتفل سنويا بيوم «صحافة التأثير«، رغبة منها فى إحداث تأثير بزيادة المبيعات واجتذاب المعلنين.

***

يقلب هذا التصور المفاهيم السابقة، فهو لا يرى أن العالم مجال مفتوح للصراعات، وأن مصائب قوم عند قوم فوائد، وينفى أيضا المقولة السائدة فى الصحافة التقليدية إن « نزيف الدماء يصنع الحدث« أو (If it bleeds, it leads). واللافت أن صحف مشهودا لها بالجدية والرصانة مثل الجارديان البريطانية أو ليبراسيون الفرنسية أو نيويورك التايمز الأمريكية تسير فى الآونة الأخيرة فى هذا الاتجاه، حتى أن الجارديان دشنت منذ أكثر من عام سلسلة من الموضوعات أطلقت عليها «نصف الكوب الممتلئ: حلول وابتكارات وإجابات«، كما قامت ليبراسيون بتخصيص أعداد متميزة على مدار العام لمثل هذا النوع من الموضوعات أسمته « حلول ليبيه« فزادت مبيعاتها بنسبة 22% عن الأعداد التقليدية، أما النيويورك تايمز فقد أثبتت دراسة تحليلية شملت سبعة آلاف موضوع نشر بها أن الإقبال كان أكبر بكثير على المواد التى تنتمى لصحافةــ الحلول، وذلك من خلال حصر المشاركات على البريد الإلكترونى أو شبكات التواصل الاجتماعى.

ينبرى البعض فى تفسير هذه الظاهرة بوصفها ضمن محاولات إعادة كسب ثقة القارئ وتحفيزه بعد أن انصرف عن الصحافة التقليدية، وسأم العاملين بها والتصاقهم بدوائر السياسة والمال، فلم يعد يصدقهم. فى حين يرجع البعض أصولها لتأثير الشركات المتعددة الجنسيات التى استخدمت الإعلام كأداة لبث أخبارها وإنجازاتها، وبالتالى كان من مصلحتها الترويج لهذه النوعية من الصحافة لإبراز هذا المشروع «الإيجابي« أو ذاك. وذهبت تحليلات آخرين إلى القول بأن انتشار شبكات التواصل الاجتماعى وسرعة تداول المعلومات أحدثا تغيرا فى الذوق العام، فلم يعد الناس يفضلون أخبار الحرب والإرهاب كما كانت تظهر الاستبيانات فى العام 2007، فبعد عشر سنوات صارت الأنباء الإيجابية والطريفة هى الأكثر ذيوعا ومشاركة. صحيح أن الأخبار السلبية تدفع بالناس إلى الشعور بالعجز والقلق والخوف والتقوقع، وبالتالى إلى رغبة فى الانفصال عن الواقع، لكن أهذا هو دور الصحافة؟ أتساءل كما يتساءل العديد من المتخصصين، وأرى مثلهم أن حصر الصحفى فى موضوعات إيجابية ووضع حلول للمشكلات يجعله يخرج عن دوره الحيادى، فيصير منخرطا فى قضية أو متبنيا لوجهة نظر، ويتحول بشكل أو بآخر إلى ناشط أو مندوب علاقات عامة، حسب الأحوال. لم يعد سلطة رابعة أو مراقب يقف على المسافة نفسها من جميع الأطراف، بل صار من أنصار هذه القضية أو تلك، ويريد أن يضرب الأمثال ويعطى حلول ويحفز المواطنين ويرفع مبيعات الجريدة، من خلال إقصاء ما هو سلبى والتركيز فقط على الإيجابى.

***

يوتوبيا خادعة، صحافة تقف فى الوسط بين الجد والتسلية، لكنها مطلوبة وفقا لما يحاول البعض إثباته، وهو أمر واجب دراسته، فبالطبع مطلوب إعادة تخيل المحتوى الصحفى على ضوء التغيرات التقنية والفكرية، وبالطبع سأم الناس الاحتيال والمزايدة ومتابعة عدد الضحايا والأموات الذين يسقطون كل يوم، لكن هذا لا يعنى أن نكف عن الكتابة عن اللاجئين لأن قصصهم حزينة وليس لها حل، بل يجب أن نفتح النقاش حول مسارات الصحافة وطرق تكيفها وأشكالها الجديدة وما يفعله بها المتلقى وما تفعله به.

نقلا عن الشروق القاهريه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مصنع الأخبار الحلوة مصنع الأخبار الحلوة



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt