توقيت القاهرة المحلي 21:09:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقام راحة أرواح

  مصر اليوم -

مقام راحة أرواح

بقلم : داليا شمس

 استمع لمقاطع من أغنية "للصبر حدود" لمحمد الموجي وأم كلثوم، من مقام راحة أرواح... المقام الشرقي الشجي له أثر تأملي، لكنه تأمل حركي وليس ساكنا مستريحا كما في الكرد. هو مقام المناجاة التي لا ترتفع لدرجة الشكوى ولا النواح، لكن بها حنين مع بعض الامتناع، ثم استمر في سماع معزوفات أخرى على العود من المقام نفسه، تحمل أيضا العديد من المتناقضات الشجية التي تجعلنا نفكر فيما حولنا من بشر يقولون الشيء ويفعلون عكسه، وبالتالي أشعر أنه مقام روح يأخذني بعيدا عن الراحة.

تمنيت لو أغلقت الغرفة بإحكام وعلمني أحدهم دعاءً ما أن أردده أحصل تواً على ما أريد. تمنيت أن ترحل تلك الشقراء البضة، ذات الرقبة والذراعين المترهلين، التي تنضح سحنتها بالبرود ولا تخلو من ادعاء سمج وأرستقراطية مصطنعة، إلى عالم لا رجعة منه، هي وكل من هم على شاكلتها، فتستريح الأرواح. وتمنيت أيضا أن يموت رجل يظلم الناس كل يوم. لكنهما لم يرحلا، بل عاشا طويلا وتجاورا وتلازما، وظلت ترعاهما الرفيقة الشريرة التي لم تسقط من عليائها هي الأخرى بفعل الدعاء، فليس كل ما يمتناه المرء يدركه وتجري كثيرا الرياح بما لا تشتهي السفن.

***

ازداد ضجري من كل هذا المسخ فقررت أن ألوذ بعالم الأموات، خاصة من هم في مرحلة البرزخ، بعد أن ودعوا الحياة الدنيا وفي انتظار الآخرة، كمن يقفون بين عالمين، يستمعون لنا، لكن لا يستطيعون جوابا. سافرت معهم، على نغمات الموسيقى، إلى بحر أخضر مجهول. حاولت أن أتخيل كيف يرون من تركوهم على الأرض؟ كيف ينظر الآباء أحيانا إلى إنتاجهم المشوه الذي يضر أكثر مما ينفع في بعض الأحوال؟ وما شعورهم تجاه بعض هذه الكائنات الطفيلية التي أنجبوها بفعل فاعل؟ وهل أخطاؤهم تعذب أرواح ذويهم حين يشعرون كيف أساءوا تربيتهم، أم الأناني يظل أناني حتى فيما بعد الحياة الدنيا؟

عادة ما يقولون إن الرجل ليبشر بصلاح ولده من بعده، فالأموات يعرفون أخبارنا، حتى و إن اختلف السلف حول بعض التصورات لما بعد الموت، فيذكر مثلا ابن القيم الجوزية، الفقيه وأحد أبرز أئمة المذهب الحنبلي، في كتابه "الروح" آثارا تدل على أن الأرواح تتلاقى. لكنها لا تعرف الراحة بالضرورة بعد هذا التلاقي، فقد يكرهون الشر والسوء الذي يكتشفون لدى أقربائهم: ترى الأم ما يفعل ابنها فلا ترضى وتستغفر له، أو يخجل الأب من تصرفات ابنته وتتعذب روحه أو قد يفرح بها وهي تتكلم باستمرار ولا تستريح لحظة بعد كل ما حققت من إنجازات.

***

أحلق بعيدا في عالم النفس، بعد أن تركت الروح الجسد. لا أحاول أن أقف على ما ليس لي به علما، فقط أترك لخيالي العنان وتأخذني الموسيقى ومقام راحة أرواح إلى ما يشبه بيت كثير الغرف يقيم فيه من عرفناهم سابقا وكأنهم مراقبين دوليين. بيت مليء بالذكريات والروائح، بعد أن لم يعد الجسد والروح والنفس شيئا واحدا. بيت تسكنه الطاقة. بيت تنطلق منه موسيقى على العود، ربما من مقام راحة أرواح. تعيش فيه الأرواح المنعمة المرسلة، غير المحبوسة، تتلاقى وتتزاور وتتابع ما يكون من أهل الدنيا، إذا أرادوا ذلك. يحاولون طمأنة من يحبون أو يعاتبونهم ويخاطبونهم في الحلم أو يبعثون إليهم برسالة ذات مغزى. أما الأرواح المعذبة، فهي في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، أو هكذا اجتهد الفقهاء الذين أرادوا اللحاق بالقطار وهو سائر، مثلنا جميعا، سعيا وراء راحة أو يقين ما. نركض وراء القطار لنلحق به، بينما هو لا يزال مستمرا في سيره البطيء المتثاقل. و تتداخل كل المقامات الموسيقية في لحن غير معروف.

 نقلاًعن الشروق القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقام راحة أرواح مقام راحة أرواح



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt