توقيت القاهرة المحلي 16:30:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«دهب.. ياقوت.. مرجان»

  مصر اليوم -

«دهب ياقوت مرجان»

بقلم - أحمد جلال

امتلأ الفضاء العام بشعور إيجابى عند تدشين حقل «ظهر» للغاز الطبيعى فى يناير 2018، وكأن لسان حال الناس يقول: «دهب.. ياقوت.. مرجان، أحمدك يا رب». هذا خبر سعيد دون شك، نظرا لضخامة حجم الحقل (30 تريليون قدم مكعب)، وقيمته (المقدرة بـ120 مليار دولار)، وإمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتى من الغاز الطبيعى فى غضون سنة. صحيح أن الاكتشاف يرجع إلى 2015، لكن تفعيله يرجع إلى نجاح جهود ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص واليونان، وسداد مديونيات شركات البترول الأجنبية.

الآن، وبعد أن هدأت الأمور نسبيا: هل سوف يغنينا هذا الاكتشاف، وأى اكتشافات أخرى، عن الإصلاح السياسى والاقتصادى والاجتماعى المنشود؟ لا أظن ذلك. للإيضاح، دعونا نتساءل: هل نجحت الدول التى أنعم الله عليها بثروات طبيعية كبيرة فى تحقيق الرخاء لمواطنيها؟ إذا كانت الإجابة مشروطة، ما هى تلك الشروط؟ وأخيرا، ماذا يعنى كل ذلك بالنسبة لنا؟.

هناك العديد من الأمثلة التى تؤكد أن وفرة الموارد الطبيعية، مثل النفط والغاز، ليست شرطا ضروريا لرخاء الشعوب، وما علينا إلا أن نقارن بين النرويج ونيجيريا. كلتا الدولتين محظوظتان بوفرة النفط، لكن التفاوت بينهما شديد فى مستوى الرفاهة، كما تؤكده مؤشرات نصيب الفرد من الدخل القومى، والعمر المتوقع، وعدد سنوات التعليم وجودته، ونظم الحماية الاجتماعية، ومعدلات الجريمة، ومدى انتشار الأنشطة الثقافية. ولا تقتصر هذه الظاهرة على هاتين الدولتين، بل تنتشر فى أرجاء المعمورة. فى أمريكا الجنوبية، فنزويلا تمثل المثال السلبى، وشيلى المثال الإيجابى. فى أفريقيا، تمثل ليبيا المثال السلبى، وجنوب أفريقيا المثال الإيجابى. فى آسيا، لم يستفد العراق من ثروته البترولية الهائلة، وتقدمت اليابان دون موارد طبيعية.

إذا كانت وفرة الموارد الطبيعية لا تؤدى بالضرورة إلى الرفاهة، هل يمكن أن تكون لها آثار سلبية؟ نعم. صحيح أن الاقتصاديين لا يختلفون على أن الموارد الطبيعية تفتح الباب أمام فرص التقدم، لكنهم يسهبون فى التحذير من مغبة نوعين من الآثار السلبية: الأول اقتصادى، والثانى سياسى.

بالنسبة للأثر الاقتصادى، هناك ما يسمى المرض الهولندى، وتشخيصه أن تدفق العملة الأجنبية الناتج عن تصدير النفط يقوى العملة المحلية، ويفقد الاقتصاد تنافسيته فى الأسواق العالمية. من هنا، تتجه الموارد نحو إنتاج سلع غير قابلة للتجارة، مثل العقارات، لإشباع السوق المحلية، ويقل تدفقها إلى الأنشطة الإنتاجية القابلة للتصدير. ونتيجة لذلك، ينتهى الأمر بهذه الدول إلى اعتماد اقتصادها على سلعة واحدة، مما يعرضها لتقلبات كبيرة نتيجة التغير فى الأسعار العالمية، فضلا عن تهديد نضوب الموارد الطبيعية، آجلا أو عاجلا.

الأثر السلبى الذى لا يقل أهمية عن المرض الهولندى هو المتعلق بالعلاقة بين توفر الموارد الطبيعية بغزارة وطبيعة نظام الحكم. الفكرة هنا، وقد تم تداولها منذ سبعينيات القرن الماضى على يد عدد من الاقتصاديين، من بينهم الدكتور حازم الببلاوى، هى أن وفرة الموارد تؤدى إلى عدم حاجة الحكام إلى فرض ضرائب على مواطنيهم، وبالتالى عدم شعورهم بالحاجة إلى إشراكهم فى الحكم. من هنا تتفشى ظاهرة غياب الديمقراطية فى كثير من الدول الغنية بالموارد الطبيعية.

من جانبى، لا أختلف مع إمكانية أن يكون لوفرة الموارد الطبيعية مثل هذين الأثرين السالبين، وإن كنت أختلف فيما إذا كانت وفرة الموارد الطبيعية هى التى تؤدى إلى غياب الحكم الرشيد، أم أن غياب الحكم الرشيد هو الذى يؤدى إلى التعرض للمرض الهولندى وغياب الديمقراطية. قناعتى هى أن غياب الحكم الرشيد هو الذى يؤدى إلى الاستخدام السيئ للموارد الطبيعية، وخير مثال على ذلك استفادة النرويج من الاكتشافات البترولية لأنها كانت تتمتع بنظام حكم رشيد قبل اكتشاف النفط، والعكس صحيح فى الحالة النيجيرية وكثير من دول النفط العربية.

ماذا يعنى كل هذا بالنسبة لنا؟ أولا، ليس هناك شك فى أن تدشين حقل «ظهر» للغاز الطبيعى فى مصر إنجاز يستحق الاحتفاء به. ثانيا، ما تؤكده تجارب الدول الأخرى أن اكتشاف الموارد الطبيعية ليس بديلا عن ترسيخ مبادئ الحكم الرشيد. ثالثا، من الضرورى، ونحن نبحث عن حقول جديدة، أن نعمل بنفس الحمية على بناء مؤسسات الدولة الحديثة، لأنها الضمانة الحقيقية للتنمية العادلة والمستدامة.

نقلا عن المصري اليوم القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«دهب ياقوت مرجان» «دهب ياقوت مرجان»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 04:47 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أماكن سياحية جاذبة للعائلات خلال عيد الفطر 2026
  مصر اليوم - أماكن سياحية جاذبة للعائلات خلال عيد الفطر 2026
  مصر اليوم - طرق سريعة وآمنة لإنقاص الوزن حسب خبراء التغذية

GMT 18:23 2022 الثلاثاء ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

ممارسة الرياضة صباحًا هي الأفضل لصحة القلب والأوعية الدموية

GMT 02:52 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

الذهب يُسجل ارتفاعًا ملحوظًا قرب أعلى مستوى في 4 أشهر

GMT 07:55 2025 الأحد ,05 تشرين الأول / أكتوبر

10 وجهات سياحية أوروبية ساحرة لاكتشافها في فصل الخريف 2025

GMT 05:42 2020 الثلاثاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

إصابة نبيل دونجا لاعب فريق بيراميدز المصري بوباء "كورونا"

GMT 13:33 2020 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

سيدة المحكمة المصرية في قفص الاتهام خلال أيام

GMT 13:27 2020 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

تعرَّف على 10 حقائق مثيرة للاهتمام عن جزر المالديف

GMT 01:49 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

انطلاق أولى حلقات برنامج «من مصر» على «CBC»

GMT 17:30 2019 الخميس ,26 كانون الأول / ديسمبر

هيثم محمد وزوجته الفنانة وفاء قمر يتعرضان لحادث سير

GMT 03:15 2019 الإثنين ,04 آذار/ مارس

النمو الاقتصادى بين التبعية والاستقلال

GMT 01:14 2019 الإثنين ,04 شباط / فبراير

وزارة التموين ومسؤولياتها عن ضبط الأسعار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt