توقيت القاهرة المحلي 05:04:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الماضي يحاكم الحاضر

  مصر اليوم -

الماضي يحاكم الحاضر

بقلم - مصطفى زين

من يتأمل قليلاً في ما حصل ويحصل في العالم العربي، منذ «ربيعه» يلاحظ أن الماضي الذي صحا يحاصر الحاضر ويحاسبه. محاسبة تعتمد قوانين من خارج الاجتماع البشري، لا تقيم وزناً لأي مسيرة تاريخية، ولا تتأثر بالزمان والمكان. أزليتها لا تجادل، والقائمون عليها قضاة محاربون لهم «النصر أو القبر»، وغالباً ما يكون القبر لغيرهم. النقاش معهم بلغة الحاضر ومفاهيمه لا يستقيم فلهم لغتهم ومصطلحاتهم الخاصة يستلونها مما قبل التاريخ وما بعده بقليل. حقوق الإنسان لا وجود لها في قاموسهم فالإنسان عبد. الحريات العامة خاصة بأقلية ضئيلة تفرض سلطتها على الآخرين. الحريات الخاصة خاضعة لسلطات عليا تقرر المباح والممنوع. المرأة كائن موجود لخدمة السيد وإذلال العدو بسبيها. الديموقراطية دعوة شيطانية. المجتمع وجد لخدمة الدولة. الاقتصاد منظم منذ القديم، لا حاجة إلى تجديده. التعليم يكون بالابتعاد عن العلوم لأنها من عمل الشيطان. الطفل ممنوع من الفرح، يُعدّ لحمل السلاح. العقل مجرد أداة لتمجيد الماضي وزجه في الحاضر لتعطيل أي تقدم.

هذا بعض من صورة ما خبرناه خلال «الربيع العربي»، صورة تحولت إلى واقع في أفغانستان، ثم في العراق وليبيا وتونس وسورية، جسدتها «القاعدة» و «داعش» وفروعهما التي لا تحصى. لم يكن لهذه التنظيمات من عمل سوى تدمير ما تقع عليه أيديها من تراث، حتى وإن كان تمثالاً أو كتاباً أو مبنى لا يتطابق مع رؤيتها «المعمارية». جمدت هذه التنظيمات الزمن عند حقبة لا يعرف قادتها عنها سوى ما يخدم توجهاتهم. لم يطلعوا على الفلسفة الإسلامية ولا على علم الكلام ولا على النقاشات الكثيرة التي سادت العصر العباسي، وهو ذروة الانفتاح على العلم. ولم يقرأوا عن العصر الأموي والانفتاح على الثقافات المحلية في بلاد الشام ومصر وغيرهما من البلدان التي فتحت.

بعيداً من «الربيع»، هنك تجربتان حديثتان في الحكم خاضهما الإخوان المسلمون بعقلية ماضوية، لكن كلتاهما قادت إلى تقسيم المجتمع والدخول في حروب أهلية: الأولى تجربة «العدالة والتنمية» في تركيا وهي الأكثر رسوخاً. والثانية تجربة حزب «الحرية والعدالة» في مصر.

وللإخوان في الدولتين الأكثر تأثيراً في تاريخ المنطقة جذور قديمة، وهم الأكثر تنظيماً بين الأحزاب ويشتركون في مناهضة محاولات التحديث التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك بعد سقوط السلطنة والخلافة، والحكم الملكي ثم عبد الناصر. في تركيا وصل «التنمية والعدالة» إلى الحكم بعد صراع طويل مع الجيش (حامي العلمانية) وخاض صراعات كثيرة مع سائر الأحزاب القومية واليسارية إلى أن تمكن من الإمساك بمفاصل الدولة وبدأ عهداً جديداً من «تربية» المجتمع، كما خاض صراعات داخلية أسفرت عن إبعاد قادة تاريخيين (عبدالله غل مثالاً) وبدأ عهداً جديداً مع أردوغان الذي غير قيادة الجيش والشرطة وكل المؤسسات الأمنية، ثم بدأ مسيرة جديدة من التدخل في شؤون الدول المجاورة، خصوصاً سورية ومصر، محاولاً فرض برنامج الإخوان في البلدين. لكنه اصطدم بمجتمعين مختلفين. فلم يكن أمامه سوى دعم العنف والحروب فيهما، غير عابئ بانتقالها إلى داخل بلاده، فالمهم خدمة الأيديولوجيا. وها هي تركيا على شفير حرب أهلية بين مكوناتها التي تشبه المكونات السورية إلى حد بعيد.

أما في مصر فتولى محمد مرسي الحكم وكان أكثر حماسة من أردوغان لأخونة الدولة والمجتمع فبدأ مثل «أخيه» التركي بعزل قضاة ومسؤولين وتعيين محازبيه بدلاً منهم، فاصطدم بالدولة العميقة وكانت التظاهرات التي عمت مصر ضده إلى أن تدخل الجيش وحسم الأمر وزج به في السجن.

الإخوان في تركيا وفي مصر لا يختلفون عمن يطلق عليهم لقب المتشددين ويجري استخدامهم لتقويض هذا البلد أو ذاك، إلا في أنهم أكثر تمرساً بالسياسة وأفضل تنظيماً، لكنهم يشبهونهم في أنهم يستخدمون الماضي وأدواته لإدانة الحاضر، والنتيجة أمام أعيننا: دمار شامل للمجتمعات وتفتيتها وإعادتها إلى طفولتها.

نقلا عن الحياه اللندنيه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الماضي يحاكم الحاضر الماضي يحاكم الحاضر



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt