توقيت القاهرة المحلي 22:24:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الظهور المتأخر لحل الدولة الديمقراطية الواحدة

  مصر اليوم -

الظهور المتأخر لحل الدولة الديمقراطية الواحدة

د. عبد العليم محمد

 بمناسبة التداول المتأخر لفكرة حل الدولة الديمقراطية الواحدة فى فلسطين إسرائيل، عبر العديد من المقالات والإشارات المتناثرة، عقب قرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارتها إلى القدس وتقويض حل الدولتين ومقوماته، باعتبار أن هذا الحل هو الحل البديل، قد يكون من الملائم أن أذكر القارئ الكريم بأن كاتب هذه السطور طرح فكرة هذا الحل فى كتاب أصدره مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام فى عام 1999، فى هذا التاريخ كان قد مضى على تطبيق اتفاق أوسلو (1) أو أوسلو(2)، ما يقرب من الأعوام الستة، وكانت المرحلة الانتقالية المقدرة فى أوسلو بخمس سنوات على أن تبدأ مباحثات الوضع النهائى الخاص بالقدس واللاجئين والحدود والمياه والمستوطنات فى العام الثالث من هذه الفترة الانتقالية، وخلال هذه السنوات تعثر بحث هذه القضايا بسبب التعنت الإسرائيلى ورغبة إسرائيل فى أن تكون أوسلو فى حدود ما طبق منها حتى ذلك التاريخ، دون أن تتجاوز ذلك إلى بحث القضايا النهائية والوضع الدائم واستمر ذلك الوضع حتى مؤتمر كامب دافيد عام 2000 والذى كان مصيره الفشل أيضا.

شهدت فكرة الحل الديمقراطى فى فلسطين أى الدولة الديمقراطية الواحدة للفلسطينيين واليهود، سواء كان ذلك على مستوى الاعتراف بأن كلا منهما يمثل مجموعة قومية متميزة لها حقوق جماعية وفى هذه الحالة تصبح هذه الدولة ثنائية القومية، أو على أساس الاعتراف بحق المواطنة الفردى لكل من الفلسطينيين واليهود والمساواة فى الحقوق أى صوت واحد لكل مواطن وفى هذه الحالة تصبح الدولة الواحدة ديمقراطية علمانية، شهدت هذه الفكرة بمستوييها تداولات عديدة فى تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث طرحها الجانب الفلسطينى أمام لجنة اللورد بيل عام 1939، كما طرحها الحزب الشيوعى عام 1944 وكذلك عصبة التحرر الوطني، وقد استلهمت حركة «فتح» ومنظمة التحرير الفلسطينية فكرة الحل الديمقراطى فى فلسطين فى 10 أكتوبر عام 1968 فى مشروع السلام الذى طرحته حركة فتح وفى البيان الذى وجهته الحركة للأمم المتحدة، شددت الحركة على طبيعة النضال الفلسطينى وطابعه الإنسانى والحل الديمقراطي، وفى عدد مجلة الطليعة الصادر فى يونيو عام 1969 والتى كان يترأس تحريرها المرحوم الأستاذ لطفى الخولي، طرح المرحوم صلاح خلف مفهوم فتح للدولة الديمقراطية والمساواة بين اليهود والفلسطينيين فى هذه الدولة وتبنى الفكرة المجلس الوطنى الفلسطيني.

وفى سياق تفاقم أزمات أوسلو والمراوغة الإسرائيلية فى تطبيقاته ورفض إسرائيل بحث القضايا النهائية وزيادة وتيرة الاستيطان فى الضفة الغربية تشكلت لجنة لبحث البدائل الفلسطينية أمام التعنت الإسرائيلي، وكان من بين هذه البدائل فكرة أو مقترح الحل الديمقراطى فى فلسطين أى الدولة الديمقراطية الواحدة.

الفكرة ليست جديدة وتعتبر جزءا من ميراث الحركة الوطنية الفلسطينية ولكنها فى الوقت الراهن وبعد ظهورها المتأخر مجددا، تستوجب التدقيق وأن نأخذ فى الاعتبار الظروف المحيطة الراهنة ذلك أن طرح الفكرة فى هذا التوقيت قد يبدو كإعلان معمم باليأس من حل الدولتين وأن إسرائيل تكون بذلك قد حققت ما تريد أى حمل الفلسطينيين والعرب على التخلى عن هذا الحل بعد أن تآكلت كل مقوماته من خلال الاستيطان والتهويد والدعم الأمريكى للتصور الإسرائيلى للسلام، وإذا كان وصول العرب والفلسطينيين إلى اليأس من حل الدولتين قد استغرق كل هذه العقود، فالخشية أن يستغرق حل الدولة الواحدة بضعة عقود أخرى تكون إسرائيل قد أنجزت تصورها للسلام وأنهت مهمتها فى الإجهاز على القضية الفلسطينية.

من ناحية أخرى، فإن ثمة العديد من العوامل المشتركة بين الحل الديمقراطى وحل الدولتين، فكلاهما يحظى بالرفض الإسرائيلى المطلق فى ظل سيطرة اليمين الدينى والقومى ورؤيته لتحقيق الحلم الصهيونى بدولة يهودية فى كل أراضى فلسطين التاريخية وتعبئة الرأى العام الإسرائيلى حول هذا الحلم.

وفى الحالتين أى حال الدولة الواحدة وحل الدولتين، فإن موازين القوى على الأرض لا تسمح بتحقيق أى منهما، فالحالة العربية العامة كما الحالة الفلسطينية قاصرة عن إحداث هزة فى الوضع الراهن تبرر انصياع إسرائيل لعملية السلام والانخراط فيها، فلا المقاومة نجحت فى زحزحة هذا الوضع ولا المفاوضات بمرجعيتها والقرارات الدولية التى تستند إليها نجحت فى فتح ثغرة ينفذ منها هذا الحل، وطالما بقيت الأمور على ما هى عليه فإن أية حلول تبقى فى حيز الإمكان النظرى والفكرى وتظل معلقة فى الفضاء ومعزولة عن الواقع.

ومع ذلك فإن حل الدولة الواحدة يتضمن إمكانات ومضامين تعيد للنضال الفلسطينى والعربى وجهه الإنسانى وينفى عداءه للسامية واليهود، المشكلة الأكبر فى تقديرى تكمن فى التخلى المبكر عن هذا الحل، ولو تمسكنا به منذ بداية طرحه من قبل حركة فتح وحتى الآن، لربما ما كنا فى الموقف الراهن، ذلك أنه كان بمقدورنا أن نكسب ثقة الرأى العام الدولى وأن يحظى خطابنا بالمصداقية وأن تمتاز أهدافنا بالثبات والوضوح والأهم من ذلك أن أساليبنا ورسائلنا فى الكفاح ضد الصهيونية كانت ستسلك طرقا وقنوات جديدة تتناسب مع الحل الديمقراطي.

المشكلة الأكبر فى هذا السياق تتمثل فى أن الفلسطينيين والعرب على حد سواء يبدو أنهم فى مرحلة «التجريب» أى تجريب الحلول واختبار إمكانية تطبيقها مع ما يعنيه ذلك من إهدار للوقت والإمكانات وكأن الزمن لمصلحتنا، وهو فى الحقيقة لغير صالحنا تماما، من ناحية أخرى فإن هذا «التجريب» أو «النزعة التجريبية» تظهر وبوضوح افتقادنا لرؤية واضحة واستراتيجية محددة إزاء الصراع العربى الإسرائيلى وإزاء الهدف الذى نحرص على تحقيقه، فهذا الانتقال بين الحلول والمقترحات قد يفقدنا ما تبقى من مصداقية خاصة أن الأساس الذى ترتب عليه الفشل يكمن فى عجزنا عن تغيير المعادلة الراهنة فى توازن القوى والتى هى شرط أى حل ناجح ومقبول أو يحفز الخصم على قبوله والتعامل معه.

حل الدولة الواحدة يبدو نظريا وقيميا وإنسانيا الأفضل ولكنه بحاجة إلى تغيير كبير إن فى العقليات والتفكير أو فى الواقع وأساليب النضال والتوجهات التى تهدف إلى تعرية إسرائيل أخلاقيا وكشف عنصريتها للرأى العام وهى المعركة التى تجنبناها طويلا، ولكنها المعركة الضرورية فى جميع الأحوال وكل الحلول.

 

نقلا عن الاهرام القاهريه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الظهور المتأخر لحل الدولة الديمقراطية الواحدة الظهور المتأخر لحل الدولة الديمقراطية الواحدة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt