توقيت القاهرة المحلي 19:12:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جوهر الصوم

  مصر اليوم -

جوهر الصوم

بقلم : عـــلاء ثابت

 تحول شهر رمضان من شهر للتقشف والزهد والإقلال من الطعام والشراب إلى شهر للترفيه والاستهلاك الزائد والموائد الطويلة والممتلئة بأصناف الطعام من اللحوم والحلوى، وصرنا نأكل فى شهر رمضان حتى التخمة، بل إننا نستعد لشهر رمضان بالإعلان عن توفير المزيد من اللحوم وصنوف الطعام بأكثر من الشهور العادية، بأضعاف مضاعفة، وإعداد ميزانية أكبر لبند الطعام، على العكس من غاية الشهر الكريم، وأصبح شهر رمضان عنوانا للترفيه والتسلية والسهر حتى الصباح فى خيام أو مقاه للشيشة أو الجلوس بالساعات أمام شاشات الفضائيات لمشاهدة مسلسلات تغطى اليوم بكامله، بل نحتاج إلى أكثر من 24 ساعة لمتابعتها، ونتنقل بين الشاشات بحثا عنها.

وهذا الكم الكبير من المسلسلات التى تتنافس منافسة حامية لجذب المتابعين، تتكلف مئات الملايين وتتخللها إعلانات طويلة كلها تتنافس على جيوب المشاهدين فى شهر أصبح عنوانا للإسراف والتبذير فى كل شىء. كيف انقلبت صورة وعادة الشهر الفضيل، وتحولت إلى نقيض غايته؟ لقد تحكمت فينا عادات استهلاكية، ووقعنا فى براثن المصالح والمكاسب المادية، فتركنا جوهر الصوم، وبدلا من الأمعاء الخاوية، لنشعر بمعاناة الفقراء والجوعى، أصبحنا متخمين من كثرة الطعام. نجوع ساعات لنستهلك بعدها ما يكفى أياما فأصبح شهر رمضان رمزا للمسافة الشاسعة بين الغنى الذى يعد أشهى الموائد بعشرات الأصناف القديمة والمبتكرة، وكل ما فى قوائم المطابخ العالمية، ويتباهى بأطباق من الشرق والغرب وأنواع لم نسمع عنها من الحلوى. والفقراء الذين ينتظرون الصدقات فى طوابير تسد الشوارع، بل إن الصدقات تحولت أيضا إلى مظاهر وتباه ولا تجرى فى السر، لتحفظ ماء وجه الفقير، بل خلقت فئة من المستفيدين من الصدقات، يلبسون مثل الفقراء ليتسولوا بها ويفوزوا بأكبر قسط من الصدقات، بينما المتعففون فى بيوتهم لا يجدون شيئا من تلك الصدقات التى تحولت إلى مظاهر احتفالية، تجذب الانتباه إلى المتصدق، بل تجد لافتات تشير إلى أصحاب الصدقات وموائد الرحمن، والتى كان ينبغى أن تذهب أموالها إلى من يستحقها من المتعففين فى الخفاء، ليتناولوا طعامهم وسط أطفالهم، دون أن يشعروا بالمهانة أو الإساءة لمشاعرهم ومشاعر أبنائهم.

إننا بحاجة إلى جهد كبير لكى نعيد للشهر الكريم وجهه الحقيقى، وأن نقلع أو نخفف من تلك العادات الدخيلة والمتزايدة التى قلبت صورته، فرمضان ليس شهر الكسل والإجازات والإسراف والترفيه، فنحن فى ظروف تتطلب أن نقتصد ونوفر فى طعامنا ونفقاتنا، فنحن نمر بواحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية، التى يمر بها العالم وتصلنا الأزمة أشد قوة وقسوة، سواء بسبب الاضطرابات غير المسبوقة فى المنطقة، وما تعانيه من حروب وإرهاب، وتلك الأزمات تحتاج منا أن نراعى جوهر رمضان ونعيد إحياء عادات التقشف وخفض الاستهلاك، وأن نقوى الصدقات من التكافل الاجتماعى، لتكون إحدى لبنات تماسك الدولة والتعاضد بين أبنائها، بل نحتاج إلى أن يكون الشهر الكريم مدرسة أو دورة إعداد، لتجنب العادات السلبية وتكريس الإيجابيات طوال شهور السنة، وليس مجرد عادات احتفالية عابرة لا تترك أثرا بعد انتهاء الشهر.

إن الشعوب التى تواجه أزمات استثنائية تفرض على نفسها قيودا فى الاستهلاك والترفيه حتى الطبقات القادرة تراعى ذلك وتكون نخبتها الثقافية والسياسية والدينية نموذجا يحتذى فى ترسيخ هذه المفاهيم والارتقاء بالإحساس الجمعى الذى نصطف فيه جميعا، لكى نواجه أزماتنا عبر تغيير العادات السلبية، لننتج أكثر ونستهلك أقل، ويشعر الغنى بمعاناة الفقير، ونراعى المرضى بدون إعلانات، ونحرص على زيارة المستشفيات ودور المسنين والأيتام، ونتعرف على أحوال قاطنيها، وحاجاتهم دون جلبة أو أضواء، ونرسخ تلك المفاهيم فى وجدان أولادنا ليشبوا على مجتمع صالح، فهل آن الأوان ليستعيد رمضان جوهره الحقيقى.

نقلًا عن الآهرام القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جوهر الصوم جوهر الصوم



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ مصر اليوم

GMT 09:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 06:05 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الخارجية التركية تستدعي خلفية لمعرفة مصير جمال الخاشقجي

GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

وفاة مؤثرة إيطالية بعد خضوعها لإجراء تجميلي في موسكو

GMT 04:23 2020 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

طريقة تحضير فول بالبيض

GMT 03:05 2018 الخميس ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

هند صبري تُؤكِّد سعادتها بالاشتراك في "الفيل الأزرق 2"

GMT 20:53 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

أجاج يؤكد أن السيارات الكهربائية ستتفوق على فورمولا 1

GMT 17:24 2021 الخميس ,02 أيلول / سبتمبر

استبعاد رمضان صبحي من بعثة المنتخب بسبب الإصابة

GMT 20:26 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

أجمل أماكن سياحية في السودة السعودية

GMT 00:31 2021 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

إدج كريك سايد يفتتح أبوابه في خور دبي

GMT 09:35 2020 الجمعة ,18 كانون الأول / ديسمبر

السعيد تؤكّد 3.5% معدلات النمو المتوقعة خلال 2020 -2021
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt