توقيت القاهرة المحلي 21:09:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأب

  مصر اليوم -

الأب

بقلم: خالد منتصر

«لقد تساقطت أوراقى».. جملة شرخت القلب ومزقت الروح، قالها أنتونى هوبكنز مغموسة فى الدمع مع نهاية فيلم «الأب»، الفيلم الذى كتبه فرنسى ظل يحلم بأن يؤدى دور البطولة فيه أنتونى هوبكنز، جعل الأب اسمه أنتونى ومولود فى نفس توقيت ميلاد هوبكنز من فرط المحبة لهذا المبدع، حتى قطعة الأوبرا المصاحبة للفيلم هى التى يعشقها هوبكنز، فصار الفيلم بصمة عملاق التمثيل المتفردة، يحمل توقيعه منذ اللحظة الأولى، فيلم لم يتكلف إنتاجياً، ولا يوجد فيه استعراض عضلات مخرج ولا تكنيك مبهر، أو مطاردات مثيرة أو توابل جنس أو... إلخ، هو أقرب إلى المسرحية التى اقتُبس عنها، المشاهد معظمها فى لوكيشن أو اثنين بالكاد، لكنه الأداء السلس الذى من فرط سلاسته لا يمكن أن يقلد، بداية من قرأ فى مرض ألزهايمر يعرف أنه لا توجد غلطة طبية فى الفيلم، بدايات الخرف بالفعل تحمل الشك فى المحيطين، ويميل كبير السن إلى تخبئة الأشياء وغالباً ما ينسى أين خبأها، ودائماً يطرد الخادمات ويتربص بهن على خطأ حتى ولو بسيط.

عبقرية الفيلم هى فى تقديمه لتطورات المرض من خلال عقل الأب نفسه، هذه هى الصعوبة، وهذا هو التحدى، لم يقدم نفسه من خلال مشاعر المحيطين، ولكن من خلال المريض، سكنّا نحن المشاهدين عينىْ مريض الخرف من الداخل، كنا نطل منه لا معه.

يبدأ الفيلم من أقصى نقطة، ابنة أنتونى تريد السفر لباريس مع حبيبها وهى فى صراع، كيف ستترك الأب فى تلك الحالة وقد بدأت عليه الأعراض، طوال أحداث الفيلم تعرف أن الذاكرة تتشوش ولا تفقد بالتدريج، ليس الفقدان مرتباً بطريقة عددية حسابية مقننة، اليوم لا أتذكر زوج ابنتى، ثم غداً ابنتى.. وهكذا، الوضع ليس كذلك، فالذاكرة تتأرجح، وكأن لمبات تنطفئ وتخفت، ومصابيح أخرى تعافر وتخبو ببطء، أحياناً لا يعرف ابنته، تظل طوال الفيلم فى حيرة وهى نفس حيرة الأب، هل ما يحدث حقيقى أم هو من خيالاتى؟، هل أنا فى شقتى أم فى شقة ابنتى أم فى دار المسنين؟، هل هذا هو زوجها أم عشيقها؟، هل الممرضة هى الراعية أم هى الابنة الغائبة؟، وكما يعرض الفيلم بنعومة وبراعة صراع الأب مع ذكرياته المسروقة، يعرض صراع الابنة المعذورة لأنها تتعامل مع مرض مزمن لا علاج له وليس إعاقة عابرة من الممكن التأقلم معها، مريض يحتاج لتعامل وتدريب هى لا تستطيعه، طوال الفيلم نحن نسكن خلايا مخ أنتونى هوبكنز الذى يدق المرض أبوابه بعنف ولصوصية ونذالة، مشاعر غضب وأحياناً خبث ساذج وأحياناً انكسار يصل إلى حد تلقى الصفعات من زوج الابنة وهو يسأله بغلظة: متى تتوقف عن الإزعاج؟، آخر عشر دقائق فى الفيلم تستحق الأوسكار بمفردها، فى دار المسنين، حوار مع الممرضة، يبكى فيها أنتونى هوبكنز بشجن الخريف الذابل الذى فقد كل النور، لا يبكى بصراخ مسرحى فج، ولكنه يلمسنا بكهرباء سحرية تجعلنا جميعاً نشاركه البكاء الناعم الذى يغسل الروح، ينادى على أمه كطفل تائه، أن تعالى خذينى إلى حضنك الدافئ، ويرتمى فى مشهد النهاية فى حضن الممرضة ساكناً هادئاً، يلتف حول نفسه كجنين فى رحم، وينتهى الفيلم على شجر حديقة الدار يحمل أوراقه الخضراء، وكأنه يهمس لنا: «إنها الحياة، لكنها لا بد أن تُعاش وأن تستمر».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأب الأب



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt