توقيت القاهرة المحلي 20:06:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سر التقفيل

  مصر اليوم -

سر التقفيل

بقلم - عمر طاهر

بخصوص سؤالك عن ضعف سمعة «التقفيل المصرى»، والشكوى المستمرة عندنا من الصنايعية، عام 1517 قرر السلطان «سليم الأول» نقل العمال المهرة فى مختلف التخصصات إلى «اسطنبول» عاصمة الدولة العثمانية، واختار كل «الشطار» الذين كانت مصر تبرق بـ«شغل إيديهم»، كان قرارا قاسيا بعقوبات مؤلمة لم يقو أحد على الفرار منه، كان سليم الأول قد جعل لكل حرفى ضامنا مسؤولا عنه، وتتم معاقبة الضامن إذا «خلع» الحرفى، فتورط الشعب فى تسليم بعضه البعض لمركز التجمع فى ميناء الإسكندرية.

وحسب كتاب حلمى النمنم «أيام سليم الأول فى مصر» كان عدد العمال وقتها 1800، وفى رواية أخرى أضعاف هذا الرقم تم تحميلهم على مركبين، وكانت ذروة القصة أن غرقت مركب تحمل معظمهم ومات كل من عليها، وبعد عام وصلت إلى القاهرة أخبار المركب الآخر عبر خطابات حملها شخص عثمانى إلى القاهرة، وكانت هذه الخطابات تنقل اللوعة والأسى وأخبار من ماتوا هناك.

انتهى كلام كتاب التاريخ، وتبدأ الآن فقرة «الفتى»، أعتقد أنه بعد كل ما حدث لجأ الصنايعية المصريون إلى تخبئة مهارتهم، خوفا من أن تقتلهم كما قتلت من سبقوهم، اضطر الصنايعى المصرى إلى وضع لمسة على عمله تقول إنه لا يستحق شرف السفر إلى اسطنبول، وكانت رداءة التقفيل سببا كافيا لاتقاء شر سليم الأول، حيلة دفاعية قد تكون أفسدت المهنة لكنها أنقذت حياة كثيرين.

ستقول لى إن هذا الكلام مرت عليه قرون طويلة ولا معنى لاستمراره، دعنى «أفتى» من جديد وأقول لك إن تفصيلة وضع لمسة تنفى المهارة تحولت بالوقت إلى تفصيلة فى «جينات» الصنايعى، لم تعد اختيارا، أصبحت خاضعة لقوانين التطور والوراثة، عندك مثلا الزرافة، عندما جفت الحشائش فى الأرض لم يكن هناك مصدر للطعام سوى ورق الأشجار، وبالوقت طالت رقبة الزرافة حتى تطول هذا الطعام، ثم انتهى الجفاف وعادت الحشائش، ولكن رقبة الزرافة لم تعد كما كانت، كذلك اختفى سليم الأول لكن مهارة العمال لم تعد كما كانت.

أحد المستشرقين أعد كتابا عن «الطوائف والحرف المصرية فى القرن 18»، اندهش من ضعف المهارة فى المهن الصريحة مثل «النجارة» مقارنة بمهارة هائلة فى مهن «متدارية» مثل «الأرابيسك»، وعندنا حاليا قد يبدى الصنايعى دهشته إذا ما خرجت صنعته بدون خطأ واحد وقد يصارحك كزبون بأن «قرفتك حلوة» وأنه لم يكن يقصد هذه الجودة، ويجتهد فى البحث عن تفسيرات من نوعية «انت ابن حلال»، ويؤكد أحيانا أنه «والله ما أعرف أعملها تانى».

تسألنى وكيف تمضى الحياة بهذا الشكل؟ إذا وجدت صنايعى مهارته تقترب من الـ70% فأنت أمام أحد هؤلاء المهرة الذين ابتلعهم البحر، وكل ما يحتاجه لتعويض الـ30% الناقصة هو الشعور بالأمان، يرى الحرفى فى كل زبون «سليم أول»، ولا أحد فينا يدخر جهدا ليظهر كمستبد، فيلجأ الحرفى دفاعا عن نفسه إلى «العك» وضرب المواعيد و«الطلسقة»، ليس فى الأمر إهانة لك كزبون لكنها حيل دفاعية نفسية موجودة بداخله تخضع لقوانين الوراثة. لابد أن يتمرن الواحد على طولة البال والتفهم وتقدير هذا الخوف ومنح الحرفى صلاحيات «المعلمة» واستبدال «شغل وحش زى وشك» بـ«تسلم إيدك بس فيه أحسن بكتير».

رقبة الزرافة العالية تنحنى بمرونة عالية لمن يقدم لها «جزرة» وعلى وجهه ابتسامة.

محبتى.. عمر

نقلا عن المصري اليوم القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سر التقفيل سر التقفيل



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt