توقيت القاهرة المحلي 11:21:33 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أزمة الإعلام.. أزمة الأمة

  مصر اليوم -

أزمة الإعلام أزمة الأمة

بقلم - جمال عبدالجواد

تعانى الصحافة المطبوعة أزمة تزداد عمقا وصعوبة كل يوم. أهم مظاهر الأزمة هو تناقص عدد قراء الصحف فى كل يوم جديد عن اليوم السابق عليه، ومع تراجع عدد القراء يتراجع اهتمام المعلنين بظهور إعلاناتهم على صفحات الجرائد والمجلات، وتتراجع عائدات الإعلان، وتدخل الصحف فى أزمة مالية تهدد بتوقفها. وبالفعل فقد توقف عديد الصحف فى بلاد كثيرة عن الصدور. أما فى بلادنا فإن الأزمة التى تواجه الصحافة المطبوعة لا تقتصر فقط على الصحف المملوكة للدولة, فالصحف الحزبية والخاصة، وحتى الصحف الإلكترونية، تواجه المتاعب المالية أيضا.

صمدت الصحافة المطبوعة أمام التحدى الذى أثاره فى وجهها التليفزيون، وسيلة الإعلام الأهم فى القرن العشرين؛ أما اليوم فإن الصحافة المطبوعة والتليفزيون يواجهان معا المأزق الذى وضعتهم فيه وسائل الإعلام الجديدة المعتمدة على الإنترنت. كان التليفزيون يقدم الأخبار وبرامج التسلية، فيتجمع الناس فى غرفة المعيشة حول شاشة التليفزيون لمشاهدة المحتوى الإعلامى بانتباه واهتمام, وكان القائمون على التليفزيون يبيعون هذا الاهتمام والانتباه لمعلنين مستعدين لدفع المال الكثير من أجل الوصول بمنتجاتهم للجمهور. كان البرنامج اليومى لحياة الملايين من البشر فى الماضى القريب يتمحور حول برامج التليفزيون. كانت أخبار التاسعة، وفيلم السهرة، والمسلسل اليومي، وبرامج المقابلات والمسابقات هى العلامات التى ينظم الناس من حولها أوقاتهم وبرنامج حياتهم اليومي، لكن هذا لم يعد قائما الآن, لم يعد الناس يتجمعون حول تليفزيون غرفة المعيشة. وبدلا من تلك الشاشة الواحدة أصبح فى كل منزل شاشات عديدة، بعضها فى شكل التليفزيون التقليدي، وأغلبها فى شكل أجهزة أخرى تقدم محتوى متنوعا من الأخبار والتسلية والأفلام والمسلسلات والبرامج والوثائقيات، لدرجة أن بعضا من أشهر المسلسلات والأفلام والوثائقيات التى يهتم بها المشاهدون الآن لم تعرض أبدا على شاشة أى تليفزيون.

الإعلام هو اتصال يتم بأعداد كبيرة من البشر عبر الجريدة أو التليفزيون, وقد ركزت دراسات الإعلام على الطابعين الاتصالى والجماهيرى لهذه العملية، التى عرفت بالاتصال الجماهيرى mass communication، أو الإعلام الجماهيرى mass media، وهو الاسم الذى تحمله أغلب أقسام ومعاهد دراسة الإعلام فى العالم. لقد تغير هذا الآن بعد أن تم تفتيت عملية الاتصال لتصبح اتصالا بأفراد مبعثرين، يستهلكون مواد إعلامية مختلفة فى الأوقات التى تناسبهم. لم يعد هناك جماهير بعد أن تم تفتيت الجمهرة الواسعة إلى عدد كبير من الجماهير الأقل عددا والأكثر تجانسا. فالأجيال الثلاثة التى تعيش تحت سقف البيت الواحد لم تعد تقرأ نفس الجريدة وتشاهد نفس البرنامج التليفزيوني، ولكن أصبح لكل فرد شاشته الخاصة، التى يقرأ ويشاهد عليها مادة مختلفة، يشاركه فيها أقران له فى نفس سنه ونوعه ومهنته من غير أفراد الأسرة, فضعفت الروابط بين أفراد الأسرة، بينما تكونت شبكات جديدة من مستهلكى مواد إعلامية متنوعة يجرى ترويجها على شبكة الإنترنت.

ذهبت الأمور خطوة أبعد عندما مكنت التكنولوجيا الآلاف من البشر من نشر مواد إعلامية يقومون بإنتاجها وتحريرها، فلم يعد الاتصال يتم من جانب واحد، هو جانب الإعلاميين المحترفين، فى اتجاه الجماهير الغفيرة من المستهلكين. لقد تم تفتيت عملية إنتاج المحتوى الإعلامى بين آلاف من الهيئات والأفراد، بعد أن تم تفتيت الطريقة التى يتم بها استهلاك المنتجات الإعلامية. لقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعى المنصة المناسبة لتمكين الآلاف من المواطنين من إنتاج المحتوى الإعلامى الذى يروق لهم، حتى أصبح الكثير من الإعلاميين يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعى كمصدر للأخبار، وهو ما تؤكده الدراسات، والتى تؤكد أيضا تراجع ثقة المواطنين فى وسائل الإعلام، وهذه مفارقة كبرى، حيث أدت مشاركة عدد أكبر من المواطنين فى إنتاج المحتوى الإعلامى إلى إضعاف ثقة المواطنين أنفسهم فى وسائل الإعلام.

المؤكد هو أنك تستطيع أن تجد على شبكة الإنترنت تنوعا كبيرا فى الآراء لم يسبق لوسائل الإعلام التقليدية أن قدمته فى أى لحظة فى تاريخها. المؤكد أيضا هو أن كثيرا من الآراء المنشورة على الإنترنت تبالغ فى التحيز والتطرف، خاصة أن التطرف وأساليب التعبير الزاعقة هى الطريقة الأكثر فعالية للفوز فى خضم معركة لفت الانتباه الجارية بين الأصوات الكثيرة المتداخلة على شبكة الإنترنت. المؤكد أيضا هو أن نسبة كبيرة مما يتم نشره على شبكة الإنترنت ينطوى على أخبار كاذبة، وأن التحيز الذى يميز تصرفات الأفراد على الشبكة يجعلهم أكثر استعدادا لتصديق وترويج الأخبار الكاذبة، حتى إن دراسة مهمة بينت أن الأخبار الكاذبة يتم إعادة بثها على تطبيق تويتر بنسبة 70% أكثر من الأخبار الصحيحة, أسهمت وسائل الإعلام فى نهضة الدول وبناء الأمم، وعندما يدخل الإعلام فى أزمة فإن الأزمة تطول الدولة والأمة أيضا. لقد ظهرت القوميات والأمم والدول القومية فى القرن التاسع عشر بفضل وسائل الإعلام، التى سمحت بالتواصل بين ملايين البشر الذين لا يعرفون بعضهم، فمكنت أهالى بلدة صغيرة فى أقصى جنوب الوادى بالتعاطف والتماهى مع سكان مدينة كوزموبوليتانية على ساحل المتوسط، باعتبارنا جميعا مصريين. لقد وحدت وسائل الإعلام هذه الجماعات الصغيرة المتناثرة، أما اليوم فإن وسائل التواصل الاجتماعى والإنترنت تدفع فى اتجاه تفتيت ما استغرق بناؤه قرنين من الزمان.

من الخطأ اختزال أزمة الإعلام فى أزمة أدوات اعتادت النظم الحاكمة استخدامها للدفاع عن بقائها. لقد تعرض الإعلام لاستنزاف المصداقية والمهنية بسبب الإفراط فى استخدامه للدفاع عن الأنظمة، حتى وصلنا إلى وضع تواجه فيه الصحافة المطبوعة والمرئية تحديات وجودية. المشكلة هى أنه مع كل إضعاف لوسائل الإعلام فإن الدولة والأمة تواجه المزيد من التحديات. فالأمة والدولة فى بلادنا لم تنضج بعد إلى حد الاستغناء عن مساعدة الإعلام, ويبقى السؤال عن الطريقة التى يمكن بها استعادة الحيوية والمصداقية للإعلام فى ظل فيضان وسائل التواصل الذى لا يمكن إيقافه.

نقلا عن الاهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أزمة الإعلام أزمة الأمة أزمة الإعلام أزمة الأمة



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt