توقيت القاهرة المحلي 08:02:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من الصداقة الفعلية إلى الصداقة الرقمية.. تمرين فى التفسير

  مصر اليوم -

من الصداقة الفعلية إلى الصداقة الرقمية تمرين فى التفسير

بقلم : نبيل عبد الفتاح

 نستمع بين الحين والآخر لبعض الملاحظات حول فتور علاقات الصداقة وتراجع الألفة، والاتصال المباشر، والمشاعر الفياضة، وتنميط لغة التعبير عن اهتمام الأصدقاء ببعضهم بعضًا حول مسارات حياتهم ومشاكلهم، وفى مسراتهم، أو أتراحهم، فى لحظات السعادة والنجاح والتألق المهنى فى العمل، أو فى الحياة الخاصة والأسرية، أو فى لحظات الحزن أو المرض أو الألم ... وغيرها من تجليات الحياة اليومية ووقائعها ومشاعرها، وذلك على نحو ما كان يحدث فى مسارات حياة الصداقة. الأمر لا يقتصر عليها فقط، وإنما تمتد الملاحظات الحاملة للشكوى وبعض الألم وتدفق الحنين إلى مشاعر وحياة أزمنة الماضى البعيد والقريب والمركب فى حياتنا، حول العائلة والأسرة والعلاقات داخلهم بين الآباء والأبناء، وبين الإخوة بعضهم بعضًا وامتداداتهم إلى الأقارب. ما هى الأسباب التى أدت إلى فتور مؤسسة الصداقة فى حياتنا؟

اكتسبت مؤسسة الصداقة فى الماضى ثقلاً كبيرًا فى حياة الأشخاص لاسيما فى الريف لأنها كانت قريبة ومتداخلة مع العلاقات القرابية فى ظل العصبية التقليدية كالقبيلة والعائلة الممتدة، والجيرة، ومن ثم كانت تعتمد على روابط أولية أكثر عمقًا فى المدن الكبرى الكوزموبوليتانية، وتمدد التعليم، واتساع قاعدة العمل، وعلاقات الزمالة والمهنة ومن ثم تمايزت الصداقة كمؤسسة عن الروابط التقليدية، واتخذت طابعًا مركزيًا فى حياة المدينة وعلاقاتها، وأصبحت ذات خصوصية عن الزمالة والأخوة والقرابة والجيرة. ساعد على هذا التحول الانتقال إلى المجتمع الرأسمالي، مع بعض من الخلط والتشوش بين الأنانية والفردية، ونمو عمليات الفردنة ــ إنتاج الفرد كفاعل اجتماعى ومشيئة وإرادة ــ التى ساعدت على تبلور الوعى بالذات الفردية. هذا التحول تزامن مع استمرارية بعض أشكال الروابط القرابية والجيرية التقليدية، وتزايدت منذ عقد الستينيات من القرن الماضي، مع ظواهر الاستقطاب الحضري، وترييف المدن الكبرى ــ القاهرة والإسكندرية وغيرهما ــ وتمدد أنماط الروابط التقليدية إلى المدن، لاسيما مع نمو مضطرد للمناطق العشوائية.

نمط الصداقة الشخصية استمر بعض من ملامحه حتى أوائل القرن الجديد، وبدأت بعض التغيرات تعترى أنسجة الصداقة مع بعض التغيرات الموضوعية، ومنها تزايد الأزمات الاقتصادية، واللجوء الاضطرارى للعمل الإضافي، أو الهجرة إلى إقليم النفط، أو إلى أمريكا وأوروبا لبعضهم! من ناحية أخرى أدت ثورة التطلعات الاستهلاكية إلى ربط مفهوم السعادة بالسلع والخدمات وتملك العقارات والسيارات على نحو أدى إلى انخراط الأشخاص فى دوامات السعى إلى الحصول على الأموال بشتى الطرق، ومن ثم إلى تباعد لقاءات الأصدقاء المباشرة، وتحولت الصداقة إلى دائرة لتبادل الهموم والمشكلات والآلام.

مع بروز الهاتف المحمول، بدأت العلاقات والتفاعلات المباشرة بين الأصدقاء والأفراد عمومًا تأخذ أشكالاً جديدة عبر هذه الأداة الاتصالية الجديدة التى أخذت مساحات أكبر من نمط الاتصال المباشر بين الأصدقاء بعضهم بعضًا. من ثم تراجع مفهوم الصداقة على خريطة الزمن الفردي، من الزمن المتثاقل الذى يمنح الشخص وقت الفراغ الكافى الذى يعطى للأصدقاء اللقاءات وتبادل المشاعر المباشرة والهموم المشتركة فيما بين بعضهم بعضًا. مع أجيال الهاتف المحمول المتسارعة التطور والمجالات تقنيًا، أصبح الزمن سريعًا وكثيفًا ومتلاحقًا ومن ثم قل الوقت المتاح للصداقة المباشرة، لصالح نمط جديد يتمثل فى الصداقة الرقمية، على مواقع التواصل الاجتماعى ــ الفيس بوك وتويتر وانستجرام- وأصبحت مساحاتها واسعة ومتنوعة، ولم تعد قصرًا على علاقات شخصية مع بعض الأشخاص، وإنما اتسع نطاقها ليغدو كونيًا وإقليميًا وكل أرجاء الوطن وتعددت بين الرجال والنساء، واعتمدت على الاختيارات، وعلى سهولة بناء علاقات الصداقة الرقمية، وعلى إمكانية وسرعة إنهائها. لم تعد الصداقة الرقمية تحتاج إلى البوح الفردى المتبادل بين الأصدقاء، وإنما البوح بات عامًا، أو على دائرة الخاص، وأكثر سهولة ومباشرة. من ناحية أخرى أصبحت الصداقة الرقمية ذات طبيعة انكشافية، حيث الآراء والمشاعر واضحة. أدت الحياة الرقمية إلى انكشاف الذات ومعها انهيار مفهوم الخصوصية، وإلى أشكال شبكية فى علاقات الصداقة تختلف عن الصداقة الفعلية، وإلى مؤسسة رقمية للصداقة أوسع نطاقًا من علاقات الصداقة الشخصية. لم تعد الصداقة دائرة للستر أو للأسرار بين أطرافها، وإنما باتت متاحة أمام الجميع، وقابلة للاختراق من الآخرين، ومن بينهم دول وأجهزة أمن واستخبارات وشركات معلومات، ومنتجو السلع ومقدمو الخدمات. تم تسليع الصداقات وشبكاتها وأسرارها وميولها أيًا كانت، تم تسليع مشاعر الصداقة الرقمية. الأخطر هو ما يبدو فى خطاب الصداقة الرقمى ــ التغريدات وغيرها ــ حيث تنميط التعبيرات الدالة على الصداقة الرقمية، من خلال أشكال يتم استخدامها دلالة على التحبيذ أو الحب أو الحزن أو الدهشة أو الغضب، أو من خلال لغة نمطية خشبية، أقرب إلى الكلام الساكت. لغة جوفاء فى غالبها، وتعبر عن بعض من تنميط مشاعر الصداقة الرقمية الجافة. التضامنات فى الحزن والمشاركة فى المسرات لم تعد تعبيرًا فرديًا وطليقًا عن الذات، وإنما أصبحت محض شكل من الأشكال السابقة التجهيز. من هنا نستطيع القول إن مؤسسة الصداقة الرقمية الأوسع نطاقًا، والأكبر عددًا هى أحد أشكال التغير فى أفعال الإنسان الطبيعى وتحول بعضها إلى أفعال رقمية كنتاج لتطورات تقنية هائلة وسريعة ومتدفقة فى متغيراتها، وهى ظواهر تحتاج إلى ذكاء المتابعة رصدًا وتحليلاً لتأثيراتها على مألوف حياتنا الفعلية.

نقلاً عن الآهرام القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من الصداقة الفعلية إلى الصداقة الرقمية تمرين فى التفسير من الصداقة الفعلية إلى الصداقة الرقمية تمرين فى التفسير



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
  مصر اليوم - حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt