توقيت القاهرة المحلي 03:34:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مستقبل صفقة القرن

  مصر اليوم -

مستقبل صفقة القرن

بقلم - أحمد يوسف أحمد

ماذا لو بدأت هذه المقالة بأن صفقة القرن قد لا ترى النور أصلاً؟ يبدو السؤال غريباً لكن الغرض منه هو التنبيه إلى أننا نسمع عن صفقة القرن منذ تولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، وقد أمضى فى الحكم حتى الآن قرابة نصف ولايته ومازالت ولادة الصفقة متعثرة، وهو أمر متوقع لتعقد الصراع وغياب أى خبرة يعتد بها لدى صانعى الصفقة، وقد يظهر فى اللحظة المناسبة من ينبه إلى أن الطبخة فاسدة أصلاً، ولكن لنتبع المنطق الشائع وهو أن ثمة صفقة فى الطريق قاربت الوصول إلى خط النهاية، فعن أى شىء نتحدث؟ من خلال مئات التقارير التى تواترت حول المضمون المحتمل للصفقة ثمة عناصر مشتركة لعل أهمها ثلاثة تتعلق بطابعها الإقليمى ومضمونها الاقتصادى وأبعادها السياسية، ويعنى طابعها الإقليمى أن الصفقة سوف تشمل دولاً عربية عديدة سواء سياسياً لارتباطها المباشر بالقضية كمصر والأردن، أو اقتصادياً بافتراض أن الدول الخليجية مثلاً ستقدم معظم التمويل الذى يحتاجه تنفيذ الصفقة، وبالنسبة لمصر بالذات ثمة تركيز على أن دورها سوف يتمثل فى تقديم جزء من سيناء يماثل ثلاثة أمثال مساحة قطاع غزة بحيث تصبح دولة غزة قابلة للحياة وتستطيع أن تضم المزيد من ملايين الفلسطينيين وتنتهى مشكلة اللاجئين الذين يمكن أن يكون للأردن نصيب إضافى منهم، وبالمقابل تُعَوض مصر بجزء من صحراء النقب ونفق برى يصلها بالأردن، ويتواضع بعض التقارير فيكتفى بأن مصر سوف تستضيف فى تخوم سيناء مع قطاع غزة بعض المقومات الكبرى للصفقة كالمطار أو الميناء أو محطتى التحلية والكهرباء، ويُضاف إلى هذا بطبيعة الحال أن هذه الصفقة لابد وأن تفضى إلى تطبيع كامل بين الدول العربية وإسرائيل، وهذا ليس جديداً على أى حال فالمبادرة العربية التى تبنتها قمة بيروت 2002 تنص عليه، أما المضمون الاقتصادى للصفقة فيعنى تحويل غزة إلى سنغافورة أخرى بحيث يُنسى الرخاء الاقتصادى الفلسطينيين قضيتهم الوطنية وهو ما يحتاج تمويلاً هائلاً يُفترض أن تتحمله أساساً الدول العربية الثرية بمشاركة دولية، وبخصوص الأبعاد السياسية للصفقة تشير التقارير إلى شبه دولة فلسطينية إقليمها عبارة عن خرقة من الأرض ممزقة بالاستيطان وسلاحها منزوع وعاصمتها أحد أحياء القدس الإدارية بمعنى أنه ليس من الضرورى أن يكون جزءاً من القدس التاريخية، فى عودة لفكرة أبو ديس، مع إغفال تام لقضيتى تفكيك المستوطنات وعودة اللاجئين، أى أن المسألة باختصار ليست صفقة بأى معنى وإنما هى إلباس ثوب الشرعية لواحدة من أبشع العمليات الاستعمارية فى التاريخ.

   لا يستطيع المرء بالتأكيد أن يتحقق من دقة ما ورد فى التقارير فى غيبة أى تصريحات أمريكية رسمية عن مضمون الصفقة، غير أنه بمقدورنا أن نتوقع فشلها الذريع لعدة أسباب أولها أنها تتم بمعزل عن الفلسطينيين الذين قاطعت قيادتهم الإدارة الأمريكية منذ اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومن أبجديات حل أى صراع ضرورة إشراك أطرافه كافة فى جهود الحل وإلا جاء غير معبر عن مصالحها ومن ثم مفتقداً أبسط مقومات الاستمرار، وقد كان أستاذنا القدير سمعان بطرس فرج الله رحمه الله هو أول من علمنا هذا المبدأ فى سنواتنا الجامعية الأولى عندما كنا نسأله وهو يُدَرس لنا المشكلة الڤيتنامية عن احتمالات نجاح محاولة ما لتسوية المشكلة سياسياً قبل أن تقبل الولايات المتحدة التفاوض مع جبهة الڤيتكونج، فيجيب من فوره  رغم صعوبة التنبؤ فى التحليل السياسى بأنها صفر لأنه لا تسوية دون تمثيل مصالح أطراف الصراع كافة ولا تمثيل لهذه المصالح دون التفاوض مع الڤيتكونج، والسبب الثانى أنه لم يصدر عن أى دولة عربية ورد اسمها فى التقارير عن الصفقة أى تصريح رسمى يفيد بموافقتها على ما نُسب إليها من مواقف، ويشدد الموقفان المصرى والأردنى على حل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية مع تأكيد أن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وهو ما يتناقض مع أهم مقومات الصفقة، وإذا كان من المستحيل على الأردن أن يقبل بفكرة الوطن البديل فإنه من غير الوارد مصرياً التنازل عن شبر من سيناء مع ملاحظة أن الدوائر المعادية للنظام المصرى تروج لأكاذيب وقحة كالقول بأن إخلاء رفح المصرية من السكان هو مقدمة لاستيطان الفلسطينيين فى سيناء، والسبب الثالث يتعلق بتعقيدات الموقف فى غزة، وصحيح أن قبول إقامة دولة فى غزة لم يعد مستبعداً من حماس لكن الخلافات داخلها وبينها وبين باقى الفصائل أكثر تعقيداً بكثير من أن تسمح بتمرير الصفقة بسهولة ناهيك بأن بقاء حماس فى الصورة فى ظل صفقة القرن صعب وخروجها منها أصعب، والسبب الرابع أن فكرة تخلى الفلسطينيين عن قضيتهم مقابل إغراءات مالية حتى وإن قبلها البعض تبدو بلا أساس، وقد انبثقت فتح مثلاً من الفلسطينيين بالكويت الذين كانوا يتمتعون برخاء فى العيش، وأخيراً وليس آخراً فإن تدبير التمويل المطلوب للصفقة مشكوك فيه لاعتبارات يضيق بها حيز المقالة، ولهذه الأسباب وغيرها فإن مصير صفقة القرن مرشح بجدارة للانضمام للإخفاقات الأمريكية الكبرى فى السياسة الدولية، ومع ذلك نجد بعض الأصوات هنا وهناك تُلَمح إلى أن رفض الصفقة لن يكون عملاً رشيداً تذرعاً بأن الفلسطينيين والعرب تعودوا على رفض الحلول المطروحة عليهم ثم الولولة على ضياعها بعد ذلك، وهى أصوات تحتاج تفنيداً موضوعياً يحتاج مقالة بذاتها، غير أننى أكتفى هنا بالقول بأنه لم يعرض على الفلسطينيين يوماً حل عادل أو حتى متوازن، ومن ثم كان القبول بالمعروض خيانة، ويُلام الفلسطينيون بالتأكيد على انقسامهم الذى لم يمكنهم من الاتفاق على استراتيجية موحدة تمكنهم من حقوقهم وليس على رفضهم الحلول الشوهاء.

نقلا عن الاهرام القاهريه

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مستقبل صفقة القرن مستقبل صفقة القرن



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt