توقيت القاهرة المحلي 16:36:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السودان: هل من أمل لوقف النار؟

  مصر اليوم -

السودان هل من أمل لوقف النار

بقلم - عثمان ميرغني

تداولت وسائطُ التواصل الاجتماعي في السودان هذا الأسبوع مقطعَ فيديو أثارَ تفاعلاً واسعاً وغضباً شديداً. يُظهر المقطع أحدَ أفراد قوات الدعم السريع يطأ بقدمه على رأس مواطنٍ طريحٍ على الأرض، ثم ينهال عليه ضرباً بسوط يحمله. الشخص الذي صوَّر هذا المنظر البشع قال إنَّ الرجلَ الذي تعرَّض لهذه المعاملة القاسية والمهينة دكتور، وإنَّ سببَ الاعتداء عليه هو أنه قام بقصِ أغصانِ شجرة أمام بيته كي لا يستخدمَها مجندو الدعم السريع موقع ارتكاز يخفون فيه سياراتهم العسكرية من طائرات الاستطلاع أو من القصف الجوي. فكثير من المواطنين أصابهم الرعب بعدما دخلت هذه القوات أحياءَهم، وارتكزت أمام بيوتهم، واقتحمت عددا منها مجبرة سكانها على الرحيل، لتتخذ منها ثكنات عسكرية.

بعدها بيومين جرى تداول مقطع فيديو آخر لمجند من الدعم السريع يأمر سيدة بالتوقف في الشارع العام، ووضع أغراضها أرضاً قبل أن ينهال عليها بالضرب بالسوط الذي يحمله مع سلاحه، ولا استخدام له سوى ترويع المواطنين ونهبهم.

في اليوم ذاته نشرت مقاطع فيديو وقصص عن انتهاكات واسعة تحدث، وبيوت تنهب، وكلها على قسوتها ليست الوحيدة بالتأكيد، ولا الأسوأ، فمواقع التواصل تضج بمئات القصص المروعة التي لم يألفها الناس في الخرطوم قبل أن تعبث بها الحرب، وتنشر فيها الدمار والرعب، وتقلب الحياة فيها رأساً على عقب. لكن مثل هذه القصص والفيديوهات ربما توضح جانباً من أسباب فشل «الهدن الإنسانية» حتى الآن، وصعوبة التقدم نحو اتفاق لوقف إطلاق النار.

من هذا المنطلق أيضاً يمكن تفسير إعلان الجيش السوداني أمس تعليق مشاركته في مفاوضات الهدن وإصراره على إلزام الدعم السريع بالانسحاب من المستشفيات، والمرافق الخدمية، والأحياء السكنية، وبيوت المواطنين التي اقتحمت ونهبت واحتلت. فالحقيقة أن الجيش يتعرض لضغوط لأن الشعب ناقم مما يتعرض له من سلب ونهب وتشريد من المساكن والأحياء التي كانت آمنة حتى نقل الدعم السريع الحرب إليها. كذلك يواجه الجيش تساؤلات من الناس حول تأخر الحسم الذي وعدوا به في بداية العمليات العسكرية، وحول انفراط عقد الأمن واستمرار المعاناة، إلى الحد الذي جعل بعض من احتلت بيوتهم يقول إنه لا يمانع لو قصفت ودمرت لو أن ذلك سيقود للقضاء على المتفلتين.

هناك شواهد كثيرة على أن قوات الدعم السريع خسرت في هذه الحرب أي رصيد شعبي أو سياسي بنته خلال الفترة الماضية. وهي عندما تقول في إعلامها اليوم إن الحرب فُرضت عليها وإنها تقاتل دفاعاً عن نفسها، فإن الناس يرون أنها في الواقع نقلت الحرب إلى أحيائهم السكنية وبيوتهم وأفقدتهم أي إحساس بالأمن والطمأنينة. وعندما تردد أنها تقاتل «الفلول والكيزان» لتحقيق أهداف ومبادئ ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019 وإنجاز التحول الديمقراطي، فإن الناس يشيرون إلى دورها في قمع انتفاضات الشباب، ومشاركتها في الانقلاب الذي قاده الجناح العسكري في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 الذي أطاح الحكومة المدنية القائمة آنذاك، وعرقل مسار الانتقال الديمقراطي.

وإذا كان جل الغضب اليوم ينبع من استهداف المدنيين ونهب وتدمير ممتلكاتهم، فإن هناك أيضاً غضباً من احتلال المستشفيات وبعض المرافق الخدمية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية وحرمان الناس من الخدمات الأساسية. أضف إلى ذلك أن الناس لم يستطيعوا الاستفادة بشكل ملموس من المساعدات الإنسانية، وهي الهدف الأساسي من الهدن، لأن وصولها وتوزيعها على المتضررين والمحتاجين يتعثر في ظل انعدام الأمن والاستقرار وعدم الالتزام بوقف العمليات العسكرية.

في ظل هذا الوضع، وإذا كانت الهدن الإنسانية القصيرة لا تحترم، فهل هناك فرصة حقيقية لوقف طويل أو نهائي للنيران؟ وحتى لو أمكن إنجاز اتفاق بهذا الشأن، فهل يمكن الحديث بعد كل ما حدث عن دمج الدعم السريع في القوات المسلحة؟

ما رآه الناس من ممارسات في هذه الحرب في الخرطوم أو قبلها في دارفور، أثار شكوكاً جدية حول موضوع الدمج وتأثيره السلبي المحتمل على تركيبة الجيش وانضباطه. عددياً أيضاً لا يمكن دمج كل قوات الدعم السريع في الجيش لأنها تمددت وتضخمت من دون ضوابط، وضمت إليها عناصر من دول أخرى.

أمر آخر أن كثيرين باتوا يرون أنه بعد كل الذي حدث لا يمكن أن تعود الثقة بين الجيش والدعم السريع، ولا بين القيادات في الطرفين. لذلك فإن كل الهدن سرعان ما تنتهك، ويصبح الطريق نحو أي اتفاق طويل لوقف النار صعبة، وحتى لو تم تجاوز كل العقبات فإن الاتفاق سيكون هشاً، وقد لا يمثل للطرفين سوى وقفة لالتقاط الأنفاس قبل أن تعود الحرب بشكل أبشع.

فالحقيقة أنه كان واضحاً منذ فترة أن الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع هي حرب مؤجلة، ولا بد أن تحدث عاجلاً أم آجلاً بعد أن تضخم عديد قوات الدعم السريع حتى بلغ نحو 118 ألف مجند، ونمت ثروات وطموحات قيادتها، ما جعلها رافضة لفكرة حلها أو دمجها وإن جاهرت بغير ذلك، لأنها ببساطة لا تريد خسارة نفوذها وإلغاء وجودها. والآن بعد أن وقعت الحرب وحصل كل هذا الدمار، فإن كثيرين باتوا على قناعة بخطورة وجود قوات رديفة وميليشيات من أي نوع، وبضرورة عدم وجود السلاح خارج سيطرة الدولة. فقد دفع السودانيون الثمن باهظاً، وآن الأوان للمعالجات الصعبة لكل الأخطاء المتراكمة، بما فيها خروج الجيش من المشهد السياسي الذي أضعفه وهز مكانته، وهذا موضوع آخر سيأتي وقته. فهذه الحرب غيرت كثيراً من المعادلات، وفرضت واقعاً جديداً، يستدعي تغييرات من الصعب القفز عليها حتى لا يبقى السودان يدور في ذات الحلقة المفرغة التي قادته إلى هذا الوضع المخيف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان هل من أمل لوقف النار السودان هل من أمل لوقف النار



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt