توقيت القاهرة المحلي 19:28:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

محاكمة ترامب وحكم التاريخ

  مصر اليوم -

محاكمة ترامب وحكم التاريخ

بقلم : منار الشوربجي

سوف يتوقف التاريخ طويلًا أمام محاكمة ترامب الثانية. فهى ليست محاكمة لترامب بقدر ما هى محاكمة للنظام السياسى بأحزابه ومؤسساته وإعلامه. فتبرئة ترامب، التى كانت متوقعة، هى آخر تجليات الأزمة العميقة التى تعيشها أمريكا منذ العقد الأخير من القرن العشرين والتى تفاقمت حتى وصلت للذروة فى الشهور الأخيرة. فلا الممارسات غير الديمقراطية ولا صعود اليمين المسلح لقلب العملية السياسية وليد اللحظة.

فالبداية كانت مع احتدام الاستقطاب السياسى بمنتصف التسعينيات، والذى غذته عمدًا قيادات الحزب الجمهورى وقتها واعتبرته سبيلها للاحتفاظ بالأغلبية فى الكونجرس بل وفى المستويات الأدنى. وقد أدى ذلك لتقويض الأسس الجوهرية التى تقوم عليها المؤسسة التشريعية ذاتها خصوصًا مسألة التوصل لحلول وسط توفيقية لتمرير القوانين. وحولت تلك القيادات الكونجرس لمؤسسة تتركز سلطاتها فى أيدى حفنة قليلة من قياداتها بعد أن كان عنوانها اللامركزية. وهى قوضت تدريجيًا جوهر الديمقراطية، حين حولت الطرف الآخر لعدو لا خصم سياسى. فالخصوم يمكن معارضتهم أو التوافق معهم، بينما لا يمكن التعامل مع الأعداء إلا عبر الرفض المطلق والإقصاء والشيطنة كمقدمة لنزع الإنسانية عنهم. وقد انتقل كل ذلك لمستوى أعلى فى فترة حكم بوش الابن التى مثلت تهديدًا بالغ الخطورة للديمقراطية. فبدعوى الأمن القومى بعد 11 سبتمبر صارت شيطنة الخصوم معتادة. كل ذلك كان بمثابة جرعات الأكسجين لكل تيارات اليمين المتطرفة للصعود من جديد، وإن حافظ، وقتها، الحزب الجمهورى على مسافة معها، شكليًا فقط، بينما عبر إعلام اليمين عن تلك التيارات بدرجات مختلفة. لكن دعم اليمين المتطرف عمليًا والحفاظ على مسافة معه شكليًا استراتيجية ليست محسوبة العواقب، إذ لا يمكن التنبؤ الدقيق بمآلها. وهو ما حدث فعلًا حين راحت تلك التيارات تهيمن تدريجيًا على الحزب. فكانت حركة حفل الشاى لحظة تاريخية مهدت لصعود ترامب. فهو، وباسم الحزب الجمهورى، استخدم علنًا الخطاب السياسى ذاته لتيارات اليمين المتطرف، ومنحها فرصة ذهبية للهيمنة. وقيادات الحزب، بمنطق انتهازى هدفه الاحتفاظ بالأغلبية، امتنعت عن توجيه أى إدانة لترامب ولا لذلك التيار. وبالمنطق الانتهازى ذاته أدانت قيادات الحزب ترامب، عشية المحاكمة، واعترفت بإدانته ثم صوّتت لتبرئته! فقد هيمنت تلك التيارات حتى صارت قاعدة الحزب الانتخابية التى لا يمكن لأعضائه الفوز دون دعمها.

ومحاكمة ترامب هى فى الحقيقة محاكمة لتلك الممارسات كلها. فمحاولة ترامب الانقلاب على الإرادة الشعبية ثم رفضه إدانة العدوان على المؤسسة التشريعية هى قمة جبل الثلج الذى تشكل عبر ممارسات مناهضة للديمقراطية لعقود ثلاثة. فهى حلقة من سلسلة طويلة من حلقات تقويض قيادات الحزب الجمهورى لجوهر العمل المؤسسى والديمقراطى. وهو ما شاركت فيه لاحقًا وبكل قوة قيادات الحزب الديمقراطى هى الأخرى. ولم تدخر قنوات الليبراليين الإعلامية جهدًا فى ذلك هى الأخرى!

بعبارة أخرى، فما يقوله الإعلام الأمريكى، اليوم، عن أن الديمقراطية صارت مهددة بمحاولة ترامب الانقلاب على نتيجة الانتخابات ثم اقتحام الكونجرس، يُغفل تمامًا السياق التاريخى الطويل الذى كان الإعلام ذاته، المستقطب هو الآخر، طرفًا فيه عندما تخلى عن دوره الاستقصائى.

تبرئة ترامب، إذن، لن تكون الحلقة الأخيرة فى مسلسل انحسار الديمقراطية الأمريكية. والخطوة التالية، وليست الأخيرة بالمناسبة، تستهدف الحق فى التصويت، أهم أعمدة الديمقراطية أصلًا. فبعد أن صار واضحًا أن بايدن مدين بفوزه لأصوات السود تحديدًا، يسعى الجمهوريون اليوم وبكل قوة لاختراع المزيد من القواعد لحرمان قطاعات واسعة منهم، ومن غيرهم من الأقليات، من التصويت.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محاكمة ترامب وحكم التاريخ محاكمة ترامب وحكم التاريخ



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 11:00 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 02:44 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

تكساس الأميركية تسجل 4 إصابات جديدة بالحصبة

GMT 02:47 2025 الجمعة ,04 تموز / يوليو

الإضاءة الداخلية لغة جديدة في فن الديكور

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 11:24 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مبيعات بلايستيشن 5 برو تتخطى التوقعات في اليابان

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 01:37 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

شوربة الفريكة مع كرات اللحم والخضار

GMT 04:50 2018 الخميس ,13 أيلول / سبتمبر

راندا البحيري تكشف أسباب نجاح مسلسل "سلسال الدم"

GMT 02:32 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

الزهور يكرم أبطال الجمباز الحاصلين على بطولات دولية وعالمية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt