توقيت القاهرة المحلي 11:38:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قرار العمر

  مصر اليوم -

قرار العمر

بقلم : جميل مطر

 ليس منا من لم يتخذ قرارا. اجتمعنا كعادتنا الأسبوعية وجلست كعادتى المحببة إلى نفسى أراقب سلوك الأطفال. بين أطفالنا فى هذه الاجتماعات من لا يزال يرضع وبينهم من يداوم على قضاء بعض يومه خلال الأسبوع فى الرياض أو ما فى حكمها. أراقب السلوك لأرضى شغفى بزيادة ما أعلم عن النفس البشرية. أراقب الكبار أيضا. أراقبهم فى مواقع العمل وفى الشوارع وعلى الشواطئ وفى المظاهرات مركزا فى السنوات الأخيرة اهتمامى على لحظة اتخاذ الفرد قرار. اعترف بأن الأطفال يثيرون اهتمامى أكثر مما يثيره الناضجون. مفيد جدا ومثير أيضا سلوك طفل لم تسعفه ذاكرته البسيطة باتخاذ قرار لم يتخذ مثله من قبل. هذا الطفل سوف يمد يده إلى مفرش المائدة يجره ناحيته دون أن يسبق هذا القرار تفكير أو نظرة استشارة من كبير أو كبيرة تقف إلى جانبه. عواقب هذا القرار غير المدروس بعناية قبل اتخاذه قد تكون جسيمة. قد ينزلق إناء طعامه عليه فيغرق ملابسه ويؤلم جلده بسخونته. وقد تصدر من أمه صرخة تذهله أو تزعجه. هذا الطفل نفسه سوف يفكر طويلا قبل أن يحاول مرة أخرى سحب المفرش إلى ناحيته. تراه ينظر إليك متخابثا أو مستأذنا، وتراه يختبر استعداد المفرش للاستجابة له، وترى عينيه تلمعان، وفى النهاية قد يقرر سحب المفرش مغامرا ومتحديا أو يقرر عدم سحبه تفاديا للعواقب التى لا شك يذكرها.

الطفل يكبر وفى الغالب ينضج. يصير شابا يافعا يظن أنه اكتسب خبرة فى اتخاذ قراراته تضمن له السلامة بقية حياته. لا يعرف أن الحياة قرار بعد قرار. كل خطوة تحتاج إلى قرار لتخطوها. نخطو الثانية بسهولة وبساطة، فهى ليست مثل أول خطوة خطوناها حين وقعنا وتألمنا وبكينا حتى جاء من يسعفنا ويحتضننا ويشجعنا لنكرر المحاولة. ليست كل القرارات التى نتخذها ونحن كبار لها قرائن جربناها ونحن صغار.

قالت: أتيت إليك لتشير على وترشدنى. تعرفنى امرأة لا تفكر كثيرا قبل اتخاذ القرار. كنت تظننى مغامرة؟ نعم أنا مغامرة. لا أحب الطرق الممهدة ولا السهول الممتدة ولا شواطئ الرمال الناعمة. أحب الرجل الخشن، ولكنى أكره من يظن فى نفسه الرغبة أو القدرة على ترويضى. يعتقدون خطأ أننى مثل بقية النساء قابلة للتغيير وإعادة التشكيل. يبدو أننى أثرت فى كل واحد عرفته عقدة الرجل المرسل من العناية الإلهية لإصلاحى. حتى أنت نفسك جربت حتى اقتنعت. الآن أنا فى مأزق. ولذلك جئت إليك.

أشعلت سيجارتها الثالثة ثم نهضت من مقعدها. ظننت أنها بدلت رأيها فقررت ألا تصارحنى بما جاءت من أجله وانتوت المغادرة، لكنها راحت تقطع الغرفة ذهابا وإيابا. سحبت آخر نفس من السيجارة قبل أن تطفئها وتجلس. تركتها لتهدأ وتختار من أين تبدأ ومتى. قضيت الدقائق أتذكر مناسبة لقائنا الأول وما دار فيه من حديث. أذكر أن جل حديثنا كان عن الرجال وكيف أن جميع تجاربها معهم كانت قصيرة الأجل. هى ترفض العلاقة الطويلة لأن الرجل يتخيل عندئذ أنه حاز عليها فصارت له. هناك مزايا عديدة فى العلاقة القصيرة. ففى هذه العلاقة يعرض كل طرف أحسن ما عنده ويجدده. كل طرف يبقى مجاملا مراعيا الأصول مستجيبا ما أمكنه للرغبات المعقولة محاصرا ما استطاع المكبوت فى داخله من عنف وعناد وغرور وما شابه. الطرفان يعرفان أن علاقتهما قصيرة وبديعة ويجب أن تظل بديعة وإلا فلا لزوم لها.

نظرت إليها فأشاحت بوجهها حتى لا أرى دمعة استطاعت أن تحطم القيد لتنساب على الخد. كانت منذ تعارفنا تتباهى أمام النساء بأنها المرأة التى لم تبك يوما أمام رجل، ولن تبكى. دمعة اليوم تسللت مستترة وأقوى الدموع ما استتر. مدت يدها إلى مفتاح النور فخفت ضوء الغرفة وتكلمت. خرجت الكلمات فيما يشبه الهمس وكان يجب أن أسمع، ففى مثل هذه الحالات لا يصح طلب التكرار. قالت، أو همست قائلة، أحب رجلا لا يحبنى وقررت أن أتزوجه. أحبه حبا بفضله أدركت أننى لم أحب غيره من قبل. صرت اسأل عن اسم هذا الشيء الذى كنت أشعر به ويشدنى إلى هذا الرجل أو ذاك. ألم يكن حبا؟ أم كان نوعا من حب تعددت أنواعه. كنت أنت من أقنعنى بأن للحب نكهات ومذاقات تختلف باختلاف أشخاصه واختلاف حجم المخزون من العواطف والفروق العمرية وما خلفته لحظات الاستمتاع. أذكر أيضا أنك أقنعتنى بأن أنواع الحب لا تتناقض أو تتنافر إلا فى حال حلت شهوات الامتلاك محل بدع الحب.

هذا الرجل أبغى وجوده معى فى علاقة طويلة. أبلغته بحبى له فهز رأسه موافقا. لم يقابل كلمات حبى بكلمات من عنده. أنا التى كان الرجال يغدقون عليها الحب بلغات عديدة، بعضهم أبدع فى التعبير والتصوير وبعضهم حملنى مع حبه لى إلى مراتب أبطال الأساطير. كنت تقول لى لا تقربى رجلا يقدس الحب حقيقة وفعلا. الآن أنا أحب رجلا ربما كان أحد هؤلاء الذين يقدسون الحب. أعترف بأنه الرجل الذى أرشدنى إلى الحب، وتركنى هناك.

لا. لا. لن أبقى وحدى هناك. لقد تغيرت بما فيه الكفاية. تنازلت من أجله عن عقيدة العلاقات القصيرة الأجل. اخترت الاستقرار وأعلنت عزمى التوقف بعد هذا القرار عن سلوك المغامرة وركوب الصعب. فليكن قرار زواجى برجل أحبه ولا يحبنى آخر مغامراتى. أعدك بالتزام نصيحتك. أعدك بأن أفكر كثيرا قبل اتخاذ قرار آخر بعد هذا القرار.

نقلا عن الشروق القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قرار العمر قرار العمر



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt