توقيت القاهرة المحلي 01:23:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النظافة والإيمان وإى كولاى

  مصر اليوم -

النظافة والإيمان وإى كولاى

بقلم - أمينة خيري

نضحك ونقهقه منذ عشرات السنين بأن المصريين معدتهم تهضم الزلط. والزلط فى هذا الصدد لا يقتصر على تلك التكوينات الرملية والحجرية فقط (وإن كانت مكونًا رئيسيًا مما نهضم)، لكنه يشمل قائمة طويلة جدًا من الأشياء التى اعتقدت البشرية أنها أبعد ما تكون عن الانضمام لمكونات الطعام.

مكونات ما أكلنا على مدة عقود طويلة شملت مسامير فى الشاى والخبز، وأرجل وأذرع حشرات وزواحف وقوارض بأنواعها، ونشارة أخشاب وغيرها، بالإضافة بالطبع إلى ما تيسر من لحوم كلاب وحمير، ودواجن ولحوم وأجبان غير صالحة للاستخدام البشرى.

والبشر ومعداتهم فى الأصل كانوا على قدم المساواة، لكن ابنك على ما تربيه، وجوزك على ما تعوديه، ومعدتك على ما تدربها وتروضها على هضمه وسحقه.

ومن منا لا يعرف صديقًا جاء من بلاد الفرنجة فسقط مريض مياه الشرب، بما فيها المياه المعلبة التى تطلق عليها جزافًا «معدنية»؟! ومن منا لم يقع هو أو أبناؤه وجيرانه ومعارفه وحبايبه مرات ومرات ضحايا لنزلة معوية جائرة أو حالة تسمم فائرة أو شوية ترجيع على دوار على الماشى بسبب أكلة مرت عليها ذبابة هنا، أو استقرت فيها بقايا أشياء غير محببة هناك؟!

وبين هنا وهناك مطاعم أشكال وألوان. وللعلم والإحاطة، فإن ما يمر عبر الفم مرورًا بالمرىء ومنه إلى المعدة ومنها إلى الأمعاء الدقيقة والغليظة والمستقيم، قد يكون «فواجرا» (باتيه كبد البط والأوز) مغطى بصوص التفاح وقد يكون فولًا بالزيت الحار مع رأس بصل مدشوش. بمعنى آخر، فيروساتنا المعوية وأمراض أجهزتنا الهضمية تطبق مبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة الطبقية دون تفرقة أو تفضيل لفئة على أخرى.

وعلى الرغم من أننا «شعب متدين بالفطرة»، وبين كل زاويتين للصلاة زاوية ثالثة احتياطى، ولا نتحدث إلا بـ«جزاك الله خيرًا» و«الأمر لله» و«ربنا يكرمك»، وحتى سياراتنا تأبى أن تمر فى الطريق دون نشر أصول الدين حيث لافتات «لا إله إلا الله محمد رسول الله» تغطى الزجاج الخلفى ومعها آيات وأحاديث وعبارات تقول للجميع «بصوا أنا متدين إزاى»، وعلى الرغم من أن «النظافة من الإيمان» والصلاة لا تجوز بغير وضوء الذى هو رمز للنظافة وليس كل النظافة (إذ لا يغنى الوضوء عن الاستحمام، ولا يستبدل تطهير أعضاء الجسم التى تختزن روائح كريهة بغسل نصف الأذرع والقدم ومسح الأذن والوجه... إلخ)، إلا أن كثيرين جدا لا يغسلون أياديهم بالماء والصابون بعد قضاء الحاجة، وكثيرين جدا لا يجدون حرجا عن «التف والنف» (البصق والتمخيط) باستخدام اليد وإلقاء الناتج على الأرض وغيرها كثير من مظاهر شيزوفرينيا النظافة.

شيزوفرينيا النظافة التى لا يتوقف عندها الكثيرون، نظرًا لأنها لا تعبر مخيلتهم أصلاً تشمل كذلك «ست البيت الفلة» التى تبرق دواخل بيتها لفرط النظافة ومن ثم تأبى أن تبقى على أحشاء السمك فيه، فتلقيه من نافذة المطبخ ليستقر فى منور العمارة. وتشمل الأخ الأستاذ المحاسب أو المهندس أو المعلم الذى يقود سيارته التى يحرص على تنظيف دواخلها بنفسه ويحافظ عليها مثل عينيه، ومن ثم يلقى بعلب العصير وأكياس الحلويات وبقايا السجائر من النافذة. وتشمل السوبر ماركت المحترم الذى ينظف عماله الأرض بالماء والصابون وأرففه بالمطهرات والمنظفات، ثم يلقى بواقى الطعام الفاسد والخضروات والفواكه المتعفنة على الرصيف المواجه. ويشمل الجار الذى يحافظ على نظافة شرفته فيقزقز اللب على دماغ الجار فى الطابق الأسفل. ويشمل السادة المؤمنين المتدينين- لاسيما من النساء- الذين سلموا أدمغتهم لشيخ الزاوية الذى أقنعهم بأن وضع مزيلات العرق حرام ورجس من عمل الشيطان.

شياطين الإنس والجن التى تحيط بنا وتتحكم فى حياتنا زاد خطرها وتوغل شرها. وحين تبدأ مصر فى التقاط أنفاسها، وبعد سنوات عجاف وأحداث جسام توقفت معها تقريبًا حركة السياحة التى كانت ساهمت فى عام 2010 بما يزيد على 11.3 فى المائة من الناتج المحلى المصرى، وفى الدخل بما يعادل 12.5 مليار دولار، وعمل فيها أربعة ملايين عامل وموظف (أى أربعة ملايين أسرة مصرية بما يعادل نحو 20 مليون مصرى كانوا يعيشون على السياحة)، يأتى من مازال يصر على عدم غسل يديه بعد قضاء حاجته، أو من يتذاكى ويعتمد الفهلوة عقيدة وعدم التخلص من بواقى أطعمة البوفيه المفتوح شطارة وعدم التخلص من الذباب والحشرات إما ضغطًا للنفقات أو لأنها «طير عادى فى الجو»، أو يتخلص منها عبر رش المبيدات فى أجواء المطابخ بينما الطعام عاريًا.

وفاة السائحين البريطانيين فى أحد منتجعات الغردقة ذات النجوم الخمس بسبب بكتيريا إى كولاى فضيحة. والأفدح من الفضيحة استمرار مسبباتها التى هى ثقافة زائد تربية زائد تنشئة زائد تركيز من رجال الدين على الحجاب والجلباب والنقاب وليس ما يقبع تحتها. وبالطبع، تراخى وتكاسل وتهلهل منظومة الرقابة والمتابعة والحساب والعقاب فى كل كبيرة وصغيرة فى حياتنا تقف على قدم المساواة فى قفص الاتهام.

نقلا عن المصري اليوم

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النظافة والإيمان وإى كولاى النظافة والإيمان وإى كولاى



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt