توقيت القاهرة المحلي 05:49:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خمسون عاما على مركز الأهرام (1ـ3)

  مصر اليوم -

خمسون عاما على مركز الأهرام 1ـ3

بقلم : د. عبد المنعم سعيد

لم يكن قد مضى على وجودى ستة أشهر فى جامعة شمال إلينوى بالولايات المتحدة 1977/1978 حتى قال لى أستاذى والمشرف على رحلتى إلى الدكتوراه البروفيسور مارتن دافيد ديوبن إننى أكثر تقدما على زملائى فى البحث العلمى بنحو عشر سنوات.

كان فى ذلك ما يجلب السرور الشخصى لأى طالب، وسوف يأخذه على أنه نوع من التشجيع لطالب مجتهد، ولكن الحقيقة أن الموقف أصبح مناسبة للحديث عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.

فعندما ذهبت للدراسة كنت قد حصلت بالطبع على التعليم المتقدم فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وبفضل ما درسته على يد أساتذة عظام مثل زكى شافعى وبطرس بطرس غالى وسمعان بطرس فرج الله وعز الدين فودة وعمرو محيى الدين ومصطفى السعيد وفتح الله الخطيب وحامد ربيع وغيرهم ممن يحفرون على عقول تلاميذهم أمرين: العلم والشخصية. ولكن التأثير الأكبر كان فى تجربة عامين من العمل فى مركز الأهرام (1975ـ 1977) تحت القيادة الرشيدة لأستاذنا السيد يسين فقد كانت الحصاد كتابا عن العلاقات المصرية الأمريكية (بالاشتراك مع الدكتور مصطفى علوي)، وكتابا آخر عن الحوار العربى الأوروبي، وثالثا عن وثيقة كوينج وعرب الأرض المحتلة عن الفلسطينيين فى إسرائيل الذى كتبته بتكليف من الدكتور على الدين هلال، وفصلا كبيرا عن السياسة الخارجية لمنظمة التحرير الفلسطينية فى كتاب صدر عن الجامعة العربية فى ذلك الوقت على ما أذكر وشارك فى تحريره أيضا الدكتور على الدين هلال وآخرون، ومع ذلك رحلة إلى هولندا لدراسة تجربة التكامل الأوروبى كانت الأولى بالنسبة لى لكى أركب الطائرة وأزور بلدا أجنبيا. لم يكن ذلك كل ما حصلت عليه من المركز، فقد كان هناك بحوث ومقالات أخرى فى دوريات مختلفة، ولكن ربما كان الأكثر أهمية هو خلق الشخصية مرة أخرى التى تستطيع أن تحاور وتناقش وتتعامل بعقل ثابت مع الحجج المختلفة، ولا تصاب بالخضة إذا ما كانت لامعة، ولا ترهب إذا ما كانت منذرة، ولا تتعامل معها بمنطق المبارزة، ولا بالاستسلام المأخوذ أو المنبهر. المسألة فى الأول والآخر كما تعلمنا ومارسنا كان الاستناد القوى إلى العلم، وأساليب التحليل المتقدمة، والقدرة على صياغة ما نود التعبير عنه بدقة الألفاظ وسلامة التعبير مع نفحة معتدلة، ولكنها مؤثرة من الإيمان فيما تقول.

هذا الدين فى عنقى الذى جعلنى متقدما على زملائى من الأمريكيين وغيرهم فى الدراسة كان لابد من روايته مع حلول مناسبة مرور خمسين عاما على إنشاء مركز الأهرام.

ورغم أن الشائع هو أن الأستاذ محمد حسنين هيكل هو الذى أنشأ المركز، وذلك صحيح إلى حد كبير فقد كان هو الذى أصدر القرار ووفر الموارد، إلا أن بعضا من الفضل لابد وأن يعود إلى الدكتور بطرس بطرس غالى الذى كان له فضل إدخال مناهج التفكير العلمى فى السياسة عندما أنشأ مجلة الأهرام الاقتصادي، ومن بعدها مجلة السياسة الدولية، فكانا معا سببا فى إدخال المذاق البحثى إلى مؤسسة صحفية عريقة.

ويبدو أن الأستاذ هيكل وجد أن التجربة تستحق، وكانت هناك أسباب أخرى، فقام بإنشاء مركز الأهرام للدراسات السياسية والاقتصادية فى عام 1966 وأداره الدكتور اسماعيل صبرى عبد الله، وفيما أذكر مركزا آخر للدراسات التاريخية. بعدها، وكانت النكسة فى يونيو 1967 قد حلت بثقلها التاريخى المفزع، فإن واحدا من النتائج المذهلة كانت أننا فى مصر والدول العربية لا نعرف شيئا عن إسرائيل العدو الذى هزمنا توا فى هزيمة منكرة.

كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد بدأت فى هذا التنبيه بإنشاء مركز الدراسات الفلسطينية فى بيروت عام 1968؛ فجاء قرار الأستاذ هيكل بإنشاء مركز الدراسات الفلسطينية والصهيونية ضمن إطار مؤسسة الأهرام لكى نتعرف على إسرائيل التى لم يكن يعرفها أحد على الأقل خارج المؤسسات الأمنية المختلفة التى كان عليها القيام بهذه المهمة.

فحتى عام 1970 لم تكن هناك مادة دراسية واحدة فى كلية الاقتصاد العلوم السياسية تتعرض لإسرائيل أو لنظامها السياسى أو أحوالها الاقتصادية وغيره من المعرفة الضرورية، كانت إسرائيل مزعومة، وما هو مزعوم لا يمكن دراسته بالضرورة!.

كانت الأحوال قد تغيرت بعد أن خرج الطلبة إلى الشوارع فى مظاهرات عام 1968، فجرت مسيرة صغيرة من طلبة العلوم السياسية شاركت فيها إلى مكتب العميد الدكتور فتح الله الخطيب تطالب بإدخال مادة جديدة عن إسرائيل، فما كان من عميدنا إلا إضافة دراسة نظام الحكم فى إسرائيل إلى مادة نظم الحكومات التى كان يدرسها.

كان ذلك هو الانفتاحة الثانية على دراسة إسرائيل داخل مصر بعد مركز الأهرام الذى بدأ فى دراسة الاقتصاد الإسرائيلى (د.عثمان محمد عثمان وزير التنمية الاقتصادية فيما بعد)، والأحزاب الإسرائيلية، وقام الدكتور عبد الوهاب المسيرى بإنتاج الموسوعة الصهيونية وتوالت الدراسات بعد ذلك عن الكنيست الإسرائيلى وبقيادة اللواء حسن البدرى واللواء ضياء الدين زهدى فيما أذكر وضعت العسكرية الإسرائيلية تحت المجهر.

كان النشاط والإنتاج البحثى كثيفا إلى الدرجة التى وجد فيها الأستاذ هيكل ضرورة تجميع كل المراكز البحثية فى مركز واحد هو مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية الذى جرى إشهاره فى صيف عام 1972.

كانت حرب الاستنزاف قد توقفت منذ قرابة عامين، وكانت حرب أكتوبر على بعد عام، كانت مصر فى لحظات مصيرية وكان على المركز بقيادة الأستاذ حاتم صادق فى ذلك الوقت أن يتأهب للقيام بدوره الوطنى مستعينا بأسماء عظيمة مثل الدكتور عبد الملك عودة، والدكتور بطرس غالي، والأستاذ السيد يسين، والدكتور على الدين هلال، والأستاذ جميل مطر، والأستاذ سميح صادق، والدكتور سامى منصور، وكتيبة عظيمة من أنبل العقول التى جاءت من مجالات عسكرية ودبلوماسية وتاريخية واجتماعية.

باختصار كانت مدرسة كبرى للبحوث السياسية تولد فى مصر، كان على الخريجين من أمثالنا الذين كانوا مجندين فى القوات المسلحة فى ذلك الوقت ينتظرون يوما مشهودا للعبور الكبير، والعودة من بعده للعمل فى هذا المركز العظيم.

والحديث متصل.

نقلا عن الاهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خمسون عاما على مركز الأهرام 1ـ3 خمسون عاما على مركز الأهرام 1ـ3



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 04:17 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني
  مصر اليوم - زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt