توقيت القاهرة المحلي 11:42:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الانتماء باللسان.. درس الملك لير

  مصر اليوم -

الانتماء باللسان درس الملك لير

بقلم : مي عزام

فى كتاب «حصاد السنين»، كتب المفكر الراحل د. زكى نجيب محمود هذه العبارة: «الانتماء هو تضحية المواطن لوطنه تضحية تتفاوت درجاتها بدءاً من تقديم شىء قليل من ماله فى سبيل الجهود الذاتية للتعمير والإصلاح.. انظر إلى هذه العبارة مدققاً، تجدها قد جعلت مبدأ (الانتماء) أساسا أولياً، تتولد عنه نتيجة، هى وجوب التضحية من المواطن لوطنه، وعن هذه النتيجة تتولد نتيجة فرعية، هى تفاوت الصور التى تجىء عليها التضحية كماً وكيفاً. وهذا التسلسل الفكرى قائم كله على معرفة مفردات لغوية، وهو بأكمله متوقف على معنى المبدأ الذى جاء فى صدر العملية الفكرية، وأعنى مبدأ الانتماء، فإذا تبين- وكثيراً جداً ما يتبين- أن صاحب هذه العبارة إذا ما سُئل عن تعريف (الانتماء) الذى جعل أساساً لتفكيره، عجز عن الجواب، مادام اللفظ الذى جعلناه سنداً للعملية الفكرية هو بهذه الأهمية كلها وهذه الخطورة كلها، فلا مناص لنا من دقة تعريفه تعريفاً يتساوى فى دقته مع تعريفنا للمفاهيم الرياضية كالمثلث والمربع».

وهنا انبرى الدكتور زكى نجيب محمود كعادته فى نحت لفظة «الانتماء»، ليصل بنا إلى جذرها المشتق من كلمة «نماء»، وهنا ربط مفكرنا الكبير بين الانتماء والنماء، فلا انتماء حيث لا نماء، أنت لا تنتمى لمكان أو علاقة لا تنمو فيها وتتحقق وتشعر بكرامتك وتقديرك لذاتك، وهكذا فإن الانتماء فعل تفاعلى وليس شعوراً فطرياً يولد مع الإنسان كما يظن البعض.

(2)

نظرية التحفيز، التى وضعها أستاذ الاقتصاد السلوكى الأمريكى «ريتشارد ثالر»، تقوم على فكرة أن الناس يمكن توجيههم لاتخاذ قرارات أفضل من خلال سياسات بسيطة وغير ملحوظة، عشرات الحكومات حول العالم اتخذت إجراءات وسياسات لتوجيه سلوكيات شعوبها فى وجهة معينة، وتشير الأبحاث إلى أن الناس يرحبون بهذه المحفزات مادامت تتفق مع قيمهم ومصالحهم، وترتبط أيضاً نسبة تأييد هذه الأساليب بمستوى الثقة فى الحكومة. يمكن للبعض أن يطلق على هذا التأييد «انتماء» لو أرادوا، فالمواطن الذى يشعر بالثقة فى حكومته ويجد أنها تعمل لصالحه لا يجد غضاضة فى تنفيذ ما تمليه عليه من سياسات يجدها تصب فى صالحه فى النهاية.. فالحافز ضرورى للمشاركة.

(3)

فى مسرحية «الملك لير»، أراد العبقرى ويليام شكسبير أن يقدم لنا أمثولة تكسر النمطية المعهودة التى يتم فيها تفضيل الإطراء على التفانى الحقيقى، فليس كل مَن يمدحك مخلصاً، وليس كل مَن يضن عليك بمشاعره كارهاً، حين أراد الملك لير التقاعد فى شيخوخته، قرر أن يقسم مملكته بين بناته الثلاث، وكان اختباره لهن حول مقدار حب كل منهن له ليتمكن من تقسيم الميراث بينهن على قدر هذا الحب. ابنتاه الكبريان (جونيريل وريجان) بالغا فى وصف حبهما له، ولكن ابنته الصغرى (كورديليا) رفضت المشاركة فى مزاد الحب الظاهرى، واكتفت بالقول إنها تحبه كما يجب للابنة أن تحب أباها، لم تعجب الإجابة الملك العجوز، فاستبعد ابنته الصغرى من الميراث وقسم مملكته بين ابنتيه الكبريين، لكن الأيام أثبتت له أن «كورديليا» كانت الأكثر حباً وإخلاصاً، فقد تعرض الملك المعتزل لغدر الوريثتين.

(4)

مصر، الآن، تعيش مأساة الملك لير، فهى تصنف شعبها طبقاً لقدرة أفراده على اللغو الظاهرى، واستعراضات النفاق الرخيص وترديد كلمات المجاملة وحديث الانتماء للبلد بالشعارات باعتبار أن الكلام هو التضحية والفداء والواجب المقدس تجاه الوطن، ويتبارى هؤلاء فى تقديم نماذج نمطية عفا عليها الزمن ليدللوا بها على الانتماء للوطن، فهذا إعلامى يتباهى بالتبرع على الهواء وكأن الأمر فقرة إعلانية ضمن برنامجه، وهذه سيدة تتبرع بمصاغها فتكتب عنها الصحف ويستقبلها الرئيس باعتبارها المواطنة المثالية التى يجب على غيرها تقليدها، حيث يبدو الهدف واضحاً لحث الناس على التبرع لصندوق تحيا مصر، فى رأيى أن هذا النوع من التبرعات لا يجب أن يكون هدفاً لدولة، لأن اقتصاد أى بلد مستقر لا يقوم على التبرعات ولكن على مشاركة كل مواطن فى العمل والإبداع والابتكار، ورفع مشاعر الانتماء والوطنية لا يكون بترديد الأغانى الوطنية، ولكن بتعميق حالة الارتباط العملى، وتوثيق «العقد الاجتماعى والسياسى والاقتصادى» بين المواطن والدولة، تحت مظلة الدستور ومنظومة الحقوق والواجبات التى تدعمها وتصونها القوانين والمحاكم ومؤسسات المحاسبة والمراقبة لكل المواطنين بلا تفرقة بين حاكم ومحكوم، وهذا باختصار شديد ما يمكن تسميته «الانتماء».

نقلًا عن المصري اليوم القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الانتماء باللسان درس الملك لير الانتماء باللسان درس الملك لير



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt