توقيت القاهرة المحلي 14:41:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صديقة.. من العالم القديم

  مصر اليوم -

صديقة من العالم القديم

بقلم : مي عزام

 «سأنتحر»، قالت الكلمة بانفعال ثم انخرطت فى نوبة بكاء هستيرى، حاولت تهدئتها، لكن حالتها ازدادت سوءاً، كان جسدها ينتفض وهى تبكى بحرقة، لم يكن بإمكانى أن أفعل شيئا سوى الصمت واحتضانها بود، لعلها تهدأ وتحكى..

لم تكن هذه سلوى التى عرفتها، لم تكن هذه المرأة البدينة المحطمة هى نفس الفتاة الطموحة التى كانت تملأ الدنيا مرحا من حولها، ولم تكن حالتها تدل أبدا على أسلوبها القديم كفتاة عصرية عاشت قصة حب جميلة فى رحاب الجامعة انتهت بزواج غير تقليدى، فماذا حدث لسلوى؟، وأى مأساة انتهت بها إلى هذا التحول العجيب؟

كانت ظروف الحياة قد فرقت بيننا منذ سنوات طويلة، حتى انقطع التواصل، وفى مطلع العام الحالى فاجأتنى باتصال تليفونى، لم يكن صوت سلوى فى التليفون هو نفس الصوت الذى أتذكره، اضطرت لتذكيرى بنفسها، اعتذرت بتودد، وألقيت بالمسؤولية على الزمن والمشاغل، وحاولت أن أداعبها بطريقتنا القديمة، لكنها استقبلت دعابتى بفتور أحرجنى أكثر، تواعدنا على اللقاء وانتهت المكالمة لكن دهشتى لم تنته، حتى إننى شككت أن تكون المتحدثة هى نفسها سلوى التى كنا نشبّهها بسعاد حسنى، كان صوتها باردا وحديثها بلا ذكريات، ولما التقينا فى اليوم التالى لم أعرفها، وجدت سيدة بدينة منكوشة الشعر تتجه نحوى مباشرة، لم أتخيل أبدا أن تكون سلوى، لكنها صعقتنى وقالت: «إزيك يا مى»، حاولت استدراك الموقف: ووقفت لأحتضنها وأنا أقول بود: «أهلا يا سلوى، وحشتينى، عاملة إيه؟» فوجئت بردها: «قررت أنتحر». لم أستوعب الكلمة، وتداخلت مقالب زمان مع الحالة التى أراها عليها الآن، فلم أعرف هل ما تقوله هزار أم جد، وقلت لها: «سيبك من الكلام الوحش ده واحكى لى» فصرخت بعناد: «هنتحر يعنى هنتحر»، ثم دخلت فى نوبة البكاء الهستيرى، كانت كلماتها مبعثرة، وعيناها شاردتين، ويداها ترتعشان وهى تقبض على سيجارة لا تنطفئ. جلسنا أكثر من ساعتين حكت لى مقتطفات من حياتها، وفهمت أن الأمور مضت عكس مسيرة الأحلام التى لونتها سلوى بخيالها فى بداية الرحلة، فقد سافرت مع زوجها للعمل، وهناك تحولا إلى آلة لجمع الأموال، وأهمل كل منهما الآخر حتى انتهت الأمور بانفصال بارد، ثم زواج ثان متعجل انتهى بفشل آخر، وعودة بآمال جديدة لمصر، ثم انكسارات متوالية دمرت كل ما فى حياتها، وقالت لى: لم يبق فى ذاكرتى من القديم والجديد سوى علاقتى بك، فطاردنى هاجس البحث عنك، وعندما لم تعرفينى، ولمحت نظرة الدهشة فى عينيك، شعرت أننى انتهيت، وقررت الانتحار والتخلص من هذه الحياة..

استعادت سلوى هدوءها بعد عدة جلسات للفضفضة، وفى إحدى الجلسات سألتها: انت صحيح ممكن تنتحرى يا سلوى؟

فقالت وهى تبتسم بأسى: «إحنا متنا من سنين يا مى.. ولا عزاء لأبناء الطبقة الوسطى».

كلمات سلوى كانت بمثابة وخز الإبر، أشعرتنى بهزيمتى الفردية وهزيمتنا الجماعية، نحن جيل سعى آباؤنا لتربيتنا وتعليمنا ظنا منهم أنهم يسلحوننا بأقوى الأسلحة وأشرفها، لم يكن أحد يتصور أن التربية والتعليم يمكن أن تكون عائقاً فى زمن يفضل فيه غياب الوعى والأخلاق، قصت علىَّ سلوى أنها حين سافرت للعمل بالخارج مع زوجها، كانت تحلم بالتميز على أقرانها بالسلع المستوردة التى ظلت محتفظة بها فى صناديقها، قالت: «بعد فشل زواجى من كريم، جلست فترة عند «ماما» حتى أشترى شقة، الفترة امتدت لسنوات ومدخراتى كانت تتآكل بفعل التضخم، وعندما نقلت لشقتى أخيرا وأخرجت ما حرمت نفسى لأشتريه كانت بنت أختى تساعدنى فى الترتيب، وقالت لى وقتها: «ياه يا طنط الحاجات دى موضة قديمة قوى!» صرخت فى وجهها وقلت: (انتى عارفة الكاسات الكريستال دى بكام والطقم الابيسون الفرنساوى.. كان من بين هذه الأشياء فيديو ضخم وأقمشة سواريه وصوف وأطقم صينى ومفارش سفرة وسرير قطيفة وسيرما، اكتشفت أننى أضعت سنوات عمرى فى اقتناء كراكيب لا تصلح لهذا الزمن، وعندما عدت لعملى فى القاهرة اكتشفت أن الأمور تغيرت، لم أعد أستطيع أن أساير مديرى الشاب الذى يطالبنى بأن أكون عصرية مثل الأخريات أتعامل بالكمبيوتر، شعرت بغربة وتأملت الوضع من حولى فوجدت أن كل شىء أصبح فى متناول الجميع، كل الأشياء الأصيلة الثمينة تقلد بأرخص الأسعار. لم أحتمل، أخذت إجازة بدون مرتب وجلست شهورا بدون عمل أعيش على مدخراتى القليلة الباقية، ومنذ ذلك الحين بدأت معاناتى مع زيادة الوزن، كرهت صورتى فى المرآة وكلما بدت الأمور سيئة كنت أقبل على الطعام بشراهة، وتمنيت أن أتخلص من حياتى كلها، وعندما تحطم عالمى فكرت فيك، فأنا أتابع كتاباتك، قلت لنفسى لمَ لا أكلمها لعلى أجد لديها حلا أو على الأقل أفضفض مع صديقة من عالمى القديم».

نقلًا عن المصري اليوم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صديقة من العالم القديم صديقة من العالم القديم



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt