توقيت القاهرة المحلي 09:25:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سلاح اللغة لا يغير حقائق الواقع

  مصر اليوم -

سلاح اللغة لا يغير حقائق الواقع

بقلم-نصر محمد عارف

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ودخول كل من يستطيع القراءة والكتابة فى عالمها الافتراضي، ومع تمدد هذا العالم الافتراضى على حساب العالم الحقيقي، مع حدوث كل ذلك صارت اللغة هى الحقيقة الوحيدة الموجودة فى العالم الافتراضي، والعملة الوحيدة المتداولة، والسلاح الوحيد لخوض المعارك السياسية.

قديما كانت البلاغة اللغوية التى تتدفق من أفواه الخطباء تسحر المستمعين، وتجذبهم طالما كانت تعتمد على حقائق واقعية وتعبر عنها، فمنذ اليونانيين القدماء حتى فترة الحكم الليبرالى فى مصر قبل ثورة 1952، والخطابة السياسية هى وسيلة حشد الجماهير واقناعها باختيار مرشح معين أو حزب معين، ولكن كل ذلك كان يأتى فى سياق حُسن تقديم حقائق الواقع فى حلة لغوية جاذبة وجذابة، والقدرة على تحريك العواطف لترى الحقائق باللون الجذاب لها، ولكن لم تكن فى حال من الأحوال لغة جوفاء لا تعبر عن حقائق واقعية، وحينما حدث ذلك عند الإغريق القدماء فى القرن الخامس قبل الميلاد سُمى من يقومون بالتلاعب باللغة الخالية من المحتوى؛ والتى لا تعبر عن حقيقة بالسفسطائيين، نسبة الى عملية السفسطة التى تقوم على الإقناع ليس اعتمادا على البرهان العلمى أو المنطقي، ولا على الإدراك الحسى والظن، وانما على استعمال قوة الخطابة والبيان والبلاغة، والجدل الكلامي. بهذا المعنى أصبحت السفسطائية عنواناً على المغالطة والجدل العقيم واللعب بالألفاظ وإخفاء الحقيقة.

ومع النجاح الذى حققته وسائل التواصل عبر العالم الافتراضى فى حشد الشباب فى الربيع العربي، رجع العالم العربى الى حالة من السفسطة، ولكنها خالية من أدواتها الحوارية، وبراعتها اللغوية، وقدرتها على صياغة الحجج الزائفة. الحالة التى يعيشها العالم العربى عامة، ومصر خاصة هى حالة خاصة من الانغماس بصورة كاملة فى عالم الألفاظ، والهجرة من عالم الواقع الى عالم اللغة، حيث لا توجد حقائق وإنما ألفاظ جوفاء لا تعبر عن واقع، وقد ازداد هذا الأمر بصورة شرسة بعد سقوط نظام الإخوان فى مصر، وتحول نشطاء السياسة الى المعارضة عبر الفضاء الافتراضي، ومن ثم لم يكن لديهم الا سلاح اللغة، وليست اللغة المعتادة أو المتوقعة ممن يمارس العمل السياسي، وانما لغة جوهرها مملوء بالكذب، وظاهرها مغلف بالبذاءة.

توسع المنشغلون بالعمل السياسى فى مصر فى توظيف اللغة فى المعارضة السياسية، دون تحقق من حقيقة هذا السلاح، وهل هو سلاح حقيقى أم وهم؟ ودون تأكد من مضاءة هذا السلاح، ونفاذيته وتأثيره، فقد صارت المعارضة عبارة عن ركام من الكلمات المتراصة؛ التى لا تعبر عن حقيقة واقعية من ناحية، ولا تؤثر فى الخصم السياسى من ناحية أخرى، لذلك انتقل المجتمع الى حوار الطرشان، كل طرف يسب ويشتم ويتهجم على الطرف الآخر الذى لا يسمعه، ولن يسمعه.

تمدد سلاح اللغة فى الاغراق فى العموميات، والكلمات الجذابة الجوفاء التى لا تعبر عن حقائق الواقع، أو المبادئ العامة التى لم يعد ينشغل الناس بها لعدم تحققها لعقود أو قرون مثل الحرية والعدالة.الخ، أو الكذب من خلال وصف حقائق الواقع بألفاظ تثير السخرية لمنع الناس من رؤيتها على حقيقتها، ولعل مصطلح «الفنكوش» الذى ورد فى أحد الأفلام المصرية للتعبير عن الكذب والنصب؛ صار هو عنوان المعارضين للنظام المصرى لنزع الشرعية عن أى إنجاز يقوم به. ولو أن من يعارضون النظام لم يبالغوا فى توظيف سلاح اللغة؛ كان من الممكن أن يحققوا نقاطا لصالحهم ضد نظام الحكم، ولكن انشغالهم باللغة وتوظيفها كسلاح أفقدهم هذه الميزة، فكل ما تمت تسميته بالفنكوش كان من الممكن إضعاف وزنه السياسي، لو تم تناوله بمنظور ترتيب الأولويات والاحتياجات الوطنية، وإدخال عامل الزمن فى تلك الأولويات والتركيز على الاحتياجات الملحة مثل الصحة والتعليمة.الخ، كل ذلك كان ممكنا أن يحقق نجاحا للمعارضة لو أنها تكلمت بلغة سياسية، وابتعدت عن اللغة الجوفاء. كذلك توسع استخدام البذاءة والسباب والشتائم فى العمل السياسي، من خلال التنابذ بالألقاب، والسخرية من الشخصيات والهيئات العامة، والشتائم التى كانت منذ وقت قريب تعبر عن انحطاط أخلاق ودناءة من يتفوه بها، كل ذلك صار وسيلة للمعارضة السياسية، والنيل من الخصوم، وكأن شتم الخصم السياسي، وسبه سوف يهزمه ويحقق النصر للبذيء الذى سبه وشتمه. ولكن التاريخ يعلمنا أن حقائق الواقع .

فليت الذين انشغلوا بتطوير أسلحة اللغة نزلوا الى الواقع الاجتماعى وتفاعلوا من الناس، حينها كان من الممكن أن يكون فى مصر أكثر من مرشح لرئاسة الجمهورية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سلاح اللغة لا يغير حقائق الواقع سلاح اللغة لا يغير حقائق الواقع



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 13:28 2021 الإثنين ,31 أيار / مايو

عمرو موسى ضيف برنامج الحكاية مع عمرو أديب

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:42 2018 الأحد ,11 آذار/ مارس

ليفربول يصدم ريال مدريد بشأن محمد صلاح

GMT 09:06 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

قصة مقتل شاب بمشروب مجهول في حفل زفاف في الشرقية

GMT 17:43 2019 الجمعة ,01 شباط / فبراير

مصرية تطلب الخُلع لتصوير زوجها لها وهي عارية

GMT 12:35 2019 الأربعاء ,02 كانون الثاني / يناير

الفنانة ليال عبود تحصد الجائزة الكبرى في ليلة رأس السنة

GMT 21:27 2018 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

طارق الشناوي يؤكد أن إسماعيل يس كان سابقًا لعصره

GMT 09:31 2021 الثلاثاء ,09 شباط / فبراير

"هيومن رايتس" تنتقد "تقاعس" مصر في قضية "الفيرمونت"

GMT 00:09 2019 الجمعة ,18 تشرين الأول / أكتوبر

مرتضى منصور يردّ على بيان مجلس إدارة النادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt