توقيت القاهرة المحلي 23:21:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثقافة العمل و ثقافة الكلام

  مصر اليوم -

ثقافة العمل و ثقافة الكلام

بقلم - نصر محمد عارف

 إن أول قوانين التاريخ أن الأمم تنهض بالعمل و المثابرة عليه و تتراجع ثم تنهار عندما تستبدل به الترف والدعة والاعتماد على الغير، ويسيطر عليها الكلام والجدل والخلاف، والعمل ليس مجرد مفهوم أو شعار أو كلمة، وإنما هو أساس لمنظومة قيمية كاملة تشكل الوعى وتطبعه بصفات معينة، وتحدد مفردات الثقافة بل إنها تعيد صياغة البرنامج اليومى للإنسان الذى هو أهم مكونات ثقافته، وتربية الأمم على ثقافة العمل عملية معقدة غاية التعقيد تحتاج إلى تضافر منظومات اجتماعية وسياسية وتنظيمية ونقابية وتعليمية متعددة؛ لأن هذا الأمر يحتاج إلى إعادة بناء شاملة لثقافة مستقرة وراسخة ومتشبعة؛ تنظمها مكونات ومفردات وسلوكيات وعادات. وأهم الوسائل التى يمكن من خلالها إعادة إدماج ثقافة العمل وقيمه فى النظم الثقافية الراسخة لمجتمعاتنا:

أولا: القيام بعملية غربلة وتصفية شاملة للثقافة المتوارثة لفرز القيم الدافعة للعمل والإنجاز وما يتعلق بهما من قيم وسلوكيات واتجاهات واستبعاد تلك القيم و السلوكيات التى تعوق ثقافة العمل أو تنتقص منها أو تضعفها. ويتم ذلك من خلال عمل يقوم به فريق بحثى متعدد التخصصات والخبرات ينكب على إعداد دستور العمل فى ثقافة المجتمع، واضعا نصب عينيه التركيز على القيم المضادة للعمل، وللإنجاز لأنها الأكثر خطورة فى هذا الصدد فما لم تتم تخلية العقول والنفوس من قيم الاتكالية والفردية والانتهازية والترف والدعة والرغبة فى الكسب السهل اليسير، والقناعة السلبية التى تؤدى إلى عدم الإنجاز، واحتقار العمل اليدوي....الخ. ما لم تتم تصفية هذه القيم وإخراجها من الثقافة العامة للمجتمع فلن يكون ممكنا بعد ذلك إدماج القيم الايجابية فى الثقافة لأن القاعدة تقول «التخلية قبل التحلية» فقبل أن نضيف الأفضل يجب أن نزيل الفاسد.

ثانيا: العمل على إدماج القيم الدافعة إلى العمل فى النظم التعليمية خصوصا ما قبل الجامعية أى التعليم الابتدائى والمتوسط والثانوى وذلك بطرق ووسائل حديثة مبتكرة لا تقوم على الوعظ المباشر أو الخطاب الإرشادى التقليدي؛ وإنما تعتمد وسائل غير مباشرة توظف القصة والصورة وتدفع المتعلم إلى الاكتشاف والتنبؤ والتوصل إلى النتيجة المرجوة بعملية عقلية يقودها هو بنفسه لنفسه، ومن ثم فلن يكون لقيم العمل وثقافته موضع محدد من المنهاج الدراسى دائما ستكون جميع المناهج والمواد الدراسية بدءا من اللغة والدين إلى الرياضيات والعلوم مرورا بالدراسات الاجتماعية والفنية، جميعها ستكون مجالا لبث قيم العمل وإدماجها فى ثقافة النشء وتربيتهم عليها منذ نعومة أظافرهم وهنا يجب أن نستفيد من تجارب دول ومجتمعات أخرى مثل ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية وغيرها، بحيث نعرف كيف استطاعت هذه الدول أن تربى شعوبها تربية تقوم على احترام العمل والترغيب فيه وجعله مصدرا للمتعة الحياتية ومجالا لتحقيق الذات الإنسانية وحصولها على السعادة والطمأنينة فى الحياة.

ثالثا: تفعيل دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، بدءا من التليفزيون والصحافة والراديو وانتهاء بخطبة الجمعة، وذلك من خلال تطوير وسائل جذابة وتشويقية ترغب المجتمع فى العمل وقيمه، وتدفعه لترك القيم المضادة لقيم العمل والتخلى عنها. ويحتاج هذا الأمر إلى حملات إعلامية وإعلانية بل قد يحتاج إلى تخصيص عام يطلق عليه «عام العمل» على أن يكون مقدمة أساسية للنهوض وتحريك الهمم، وتحفيز الناس ودفعهم للالتفات إلى ما تركوه وراء ظهورهم وانشغلوا بغيره من قيم وسلوكيات واتجاهات ايجابية دافعة للعمل و الإنجاز.

رابعا: تفعيل دور النقابات والاتحادات المهنية والنوادى فى ترسيخ نوعية معينة من قيم العمل مثل: فكرة روح الفريق، أو العمل الجماعي، وفكرة التميز، والإنجاز المتفرد، وأفكار التطوير المستمر، والإتقان والكفاءة...الخ. وذلك من خلال عقد دورات تدريبية وورش عمل على مستويات مختلفة للقيادات المهنية، على أن تقوم تلك القيادات بتدريب الصف التالي، وهكذا أى أن يعتمد أسلوب «تدريب المدربين» حتى يتم الوصول إلى قاعدة الهرم العمالى ليكون العامل نفسه قدوة، ونموذجا للمجتمع يدفعه للاقتداء به و تمثله فى حياته.

خامسا: تأسيس مواقع على الشبكة الدولية للمعلومات لنشر قيم العمل والتدريب عليها و إثارة النقاش حولها و ذلك لتحويل هذه القيم إلى مادة للبحث و النقاش ومن ثم تصير جزءا من ثقافة الأمة.

من خلال هذه الخطوات وغيرها يمكن تحويل ثقافة المجتمع من الانشغال بالكلام والجدل والنقاش فى قضايا لا تهم الشخص المتحدث فيها، ولا يستطيع أن يغيرها اويؤثر فيها، وتحويل اهتمام الافراد الى ما يفيدهم مباشرة، وبذلك تنشأ ثقافات فرعية لكل مهنة، ولكل مجال عمل ينشغل بها المنتمون لهذه المهنة، أو ذلك العمل. ما يحتاجه الميكانيكى أن يتابع أحدث الوسائل والابتكارات فى مجاله، لا أن ينشغل به ليل نهار بموضوعات تفرضها عليه برامج الكلام على شاشات الفضائيات، وما يحتاجه الطبيب أن يتابع أحدث الأبحاث والممارسات فى الطب لا أن ينشغل بالسياسة والاقتصاد، وكأنه يدير دولة. ثقافة العمل تعنى ثقافة كل مهنة التى تجعل العاملين فيها يتقنونها.

نقلا عن الاهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثقافة العمل و ثقافة الكلام ثقافة العمل و ثقافة الكلام



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 13:18 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد
  مصر اليوم - ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد

GMT 20:16 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

دور السينما في جنوب أفريقيا تسحب وثائقي ميلانيا ترمب
  مصر اليوم - دور السينما في جنوب أفريقيا تسحب وثائقي ميلانيا ترمب

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

مواعيد مباريات الثلاثاء 27 يناير 2026 والقنوات الناقلة

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 15:13 2025 الأحد ,07 كانون الأول / ديسمبر

أجمل فساتين السهرة التي تألقت بها سيرين عبد النور في 2025

GMT 10:31 2024 الثلاثاء ,15 تشرين الأول / أكتوبر

علي ماهر يبحث تدعيم الجبهة اليسرى بالمصري بعد رحيل مارسيلو

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند

GMT 03:05 2018 الثلاثاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

طُرق طبيعية جديدة للتخلّص مِن عدوى الجيوب الأنفية المُؤلمة

GMT 09:13 2022 الثلاثاء ,01 آذار/ مارس

اذا طرق العنف بوابة الزواج

GMT 23:29 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

منة شلبي تثير الجدل حول عودة حنان ترك للتمثيل

GMT 08:43 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

كشف ملابسات العثور على جثة مسن داخل بئر بمركز قوص في قنا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt