توقيت القاهرة المحلي 11:11:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التحدى الأخلاقى.. أخطر ما يواجه الأمم

  مصر اليوم -

التحدى الأخلاقى أخطر ما يواجه الأمم

بقلم - نصر محمد عارف

حين تنطلق الأمم فى البناء والتنمية يظن الناس أن الإنجازات المادية هى التحدى الأهم بالمواجهة، وأن تشييد المدن، ومد الطرق وبناء المصانع والمزارع هو الواجب الأولى بالاهتمام، والعمل الأجدر أن تسخر له كل القدرات والميزانيات، وأن الوقت وقت بناء وتشييد وتعمير. ولكن الأمم تنهض أيضا بالإنسان، وأن التنمية المستدامة القابلة للاستمرار مع تقلبات الزمان هى التى تعتمد على الإنسان، وأن الإنسان فى جوهره منظومة قيم وأخلاق، وأن هذه القيم والأخلاق هى الضمان الوحيد لتحقيق التنمية والنهوض، ولاستمرار التنمية ودوام الحضارة.

تجربة الدول التى دخلت مضمار التنمية وبقوة واقتدار أنها بدأت بالإنسان، لأنها أدركت فى وقت مبكر أن الإنسان الذى يملك منظومة قيم وأخلاق حضارية راقية هو الأساس فى عملية التنمية؛ لأن الأهم من إنشاء الطرق والمدن والمؤسسات والمشروعات هو كيفية المحافظة عليها، وضمان استمراريتها واستدامتها، لأنه بدون الاستدامة لا قيمة للإنشاء, وبدون المحافظة على البنية التحتية يكون إنشاؤها إهداراً للموارد والإمكانات، والمحافظة على البنية الأساسية والخدمات ليست مسألة قانونية، وإجبارية تنظمها عقوبات، وإنما يضمن استمرارها، ويحافظ عليها وجود منظومة قيم وثقافة راسخة فى عقول وقلوب الشعب كل الشعب، وهذا ما كان فى مصر قبل عصور سابقة؛ حين كانت شوارعها عنواناً للنظافة والجمال، وحين كان الإنسان لا يخرج من بيته إلا فى كامل أناقته.

لذلك فإن التحدى الذى يواجه مصر اليوم هو تحد أخلاقى فى جوهره، يحتاج إلى إعادة تربية وتثقيف للشعب على قيم النظام والنظافة، واحترام الآخرين، والالتزام بالقانون واللوائح، والمحافظة على المال العام، والتمتع بالجمال، وآداب التعامل فى الأماكن العامة، وحماية المرافق العامة…..الخ.

وهذه القيم لا يمكن ترسيخها بمجرد الخطب والمواعظ، وإنما لها منهج يجب إتباعه والالتزام به. تعليم القيم، وتغيير الثقافة يبدأ بفكرة يتقبلها عقل الإنسان؛ بعد أن يتم تنظيفه من الأفكار السلبية التى هى نقيض الفكرة أو القيمة التى يراد تعليمها، فإقناع الإنسان العادى بالعيش فى بيئة نظيفة، أو الالتزام بالنظام حتى لو كان ضد مصلحته الوقتية؛ عملية تحتاج إلى تغيير مفاهيم وقناعات وأفكار مسبقة؛ لتتحرك هذه القناعة من العقل إلى القلب، أى تتحول من فكرة مجردة إلى قيمة معنوية يسعد الإنسان بإيمانه بها، ويخجل إن خالفها، وبعد ذلك ينبغى أن يتم تحويل هذه القناعة والإيمان إلى سلوك فعلي؛ يمارسه الإنسان فى مجتمعه مع نفسه وجيرانه والمحيطين به، يلتزم به مع من يعرف، ومن لا يعرف، يطبقه فى البيت مع أسرته وخارج البيت مع كل من يتعامل معهم.

للوصول إلى هذه الغاية النبيلة؛ وهى تغيير ثقافة المصريين ليكونوا محافظين على القيم والأخلاقيات الإنسانية فى النفس والبيت، وفى الشارع والأماكن العامة لابد من معرفة طرق الوصول إلى عقولهم وقلوبهم، ولابد من تضافر الجهود لإقناعهم بالفكرة، وضمان التزامهم بها، وهذا فى ذاته يحتاج إلى عملية غاية فى الشمول والتعقيد، تحتاج إلى مشروع ثقافى قومى شامل تشارك فيه مؤسسات المجتمع جميعها؛ كل فى مجال تخصصه، ويمكن أن تشتمل على الآتي:

أولا: نشر قيم الجمال فى المجتمع، وتعليم الشعب تذوق الجمال، وهذا يحتاج إلى التخلص من الفقه الوافد مع أولئك الذين نشروا القبح فى المجتمع، وسخروا كل طاقاتهم لمحاربة الذوق والجمال، بل صاروا قدوة للشباب فى تحويل القبح إلى دين، ونحن شعب كان يردد دائما… والله جميل يحب الجمال.

ثانيا: فرض معايير على صناعة السينما والدراما فى مصر بحيث يتم تنظيفها من قيم وثقافة القبح والفوضى والفهلوة، وكل القيم السلبية التى نشرتها مرحلة سيطرة البعض على صناعة السينما والدراما.

ثالثاً: وضع خطة صارمة لجميع الخطب والدروس فى المساجد والكنائس بحيث تركز جميعها على القيم والسلوكيات والأخلاقيات العامة، ولا تقتصر فقط على قيم الخلاص الفردي، والنجاة الفردية فى الدنيا والآخرة، التى خلقت ثقافة أنانية مفرطة فى الفردية، وحولت المجتمع إلى وحوش، يطبقون ما سمعوه عن يوم الحشر فى تعاملهم اليومى (نفسى …نفسي)، حيث يفر كل منهم من أمه وأبيه وصاحبته وأخيه فى الدنيا، فيقتل أباه من أجل بضعة مئات من الجنيهات، أو تقتل زوجها من أجل نزوة.

رابعاً: القيام بثورة تعليمية فى مصر، لأن كل ما يتم إلى تاريخ اليوم هو ترقيع فى ثوب متهالك، لا ينتج إلا عقولا مليئة بكل القيم السلبية من الشطارة والفهلوة والغش والانتهازية والأنانية وعدم احترام النظام، والتمتع بمخالفة القانون.

إن إعادة القيم والأخلاق الى حياة شعب من الشعوب بعد أن تساقطت منه عبر عثرات الزمن عملية جديرة بأن تكون هى التحدى الأكبر لضمان تحقيق تنمية مستدامة.

نقلا عن الاهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التحدى الأخلاقى أخطر ما يواجه الأمم التحدى الأخلاقى أخطر ما يواجه الأمم



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 15:06 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

ترشيح درة ضمن قائمة "أجمل مئة وجه في العالم"
  مصر اليوم - ترشيح درة ضمن قائمة أجمل مئة وجه في العالم
  مصر اليوم - دواء جديد يمنح أملاً في الوقاية من سرطان الثدي

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,05 أيار / مايو

عمرو دياب يشعل مواقع التواصل بلفتة إنسانية
  مصر اليوم - عمرو دياب يشعل مواقع التواصل بلفتة إنسانية

GMT 08:10 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

دعاء الجمعة الثانية من ذي القعدة

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 08:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 10:32 2024 الجمعة ,13 كانون الأول / ديسمبر

طلب إحاطة لتفعيل دور مكاتب فض المنازعات الأسرية

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 16:29 2020 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

وفاة ضابط في انقلاب سيارة لوري بالصحراوي الغربي في أسيوط

GMT 06:16 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

فورد تبيّن عن نموذجها الجديد من سيارات Mustang

GMT 02:45 2017 الإثنين ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ياسمين صبري تُبرز سبب تعاونها الثاني مع محمد رمضان

GMT 01:20 2024 الأحد ,21 إبريل / نيسان

ضمك يتخطى الأخدود بثنائية في الدوري السعودي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt