توقيت القاهرة المحلي 23:21:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشعوب الجادة.. لا تقف عند لحظات انكسارها

  مصر اليوم -

الشعوب الجادة لا تقف عند لحظات انكسارها

بقلم - نصر محمد عارف

لأول مرة منذ واحد وخمسين عاماً يحتفى قطاع واسع من المثقفين والنشطاء على وسائل التواصل الاجتماعى بنكسة أو نكبة أو هزيمة 1967، وقد جاء هذا الاحتفاء المؤلم الغريب مركزاً على حالة الصحافة المصرية التى غطت حرب 1967، حيث امتلأت صفحات الفيس بوك بصور من الصفحات الأولى للصحف القومية فى أيام الحرب؛ وهى تتحدث عن انتصارات مؤزرة توشك معها أن تسقط تل أبيب عاصمة الكيان الغاصب، بينما الواقع أن جيش هذا الكيان قد نجح فى هزيمة جيوش عربية عدة؛ منها جيوش الدول الثلاث التى دخلت الحرب: مصر وسوريا والأردن، ومن ورائها جيوش دول أخرى؛ جاءت للمؤازرة والدعم، وأن سيناء قد ضاعت ومعها غزة والضفة الغربية والقدس والجولان، وقد تزامنت ذكرى النكسة هذا العام مع وفاة المذيع المصرى الأشهر الذى سيطر على آذان العرب طوال فترة الحرب من خلال إذاعة صوت العرب، يبشرهم بزوال إسرائيل، وتحرير كامل التراب الفلسطيني، فقد انتقل رحمة الله علية الى جوار ربه فى رمضان فى نفس يوم النكسة.

والمؤلم فى هذا المشهد أن ما تداوله المثقفون والنشطاء المصريون من مواد للسخرية والشماتة والاستهزاء بالصحف القومية الصادرة أيام حرب 1967، قد تم نقله وتداوله على نطاق واسع على صفحات الناشطين الإسرائيليين، ونشطاء جماعة الإخوان الفاشلة، وتحول المشهد العام الى حفلة سخرية من الدولة المصرية، ومن صحافتها، ومن النخبة السياسية والثقافية فى ذلك الوقت، وكل من هؤلاء له أهدافه، فالنشطاء الإسرائيليون ومعهم نشطاء جماعة الإخوان يهدفون الى نزع الشرعية عن النظام السياسي، وعن الدولة، بينما المثقفون المصريون الذين بدأوا بنشر هذه الوثائق التاريخية كانوا يهدفون للدفاع عن حرية الصحافة، ويظهرون كيف أن انعدام هذه الحرية يمكن أن يقود الى مشهد من التضليل الكامل كما حدث إبان حرب 1967. 

وأمام هذا المشهد الملتبس والمربك والمرتبك من الضرورى أن يتم إعمال العقل فى الحقائق الآتية: 
أولاً: لا يذكر لنا التاريخ القديم أو المعاصر واقعة واحدة اعترف فيها الطرف المهزوم بانكساره، أو هزيمته أثناء سير المعركة، فلم يحدث واقعياً، ولم يكن يتصوره عقل أن يقوم المغلوب أثناء القتال بإذاعة حقائق سير المعركة التى تبشر بهزيمته. 

ثانياً: أن القوانين العسكرية فى جميع أنحاء العالم تعتبر من يقوم بهذا الفعل خائناً، يعمل لتدمير الروح المعنوية للمقاتلين، وهو يقف فى صف العدو. بل إن القرآن الكريم اعتبر ذلك نوعاً من النفاق أخطر من الكفر. 

ثالثاً: إن التقاليد الثقافية الأمريكية تمنع تناول الحروب بالتحليل والنقد أثناء سيرها، وبعدها بفترة احتراما لمشاعر الأسر التى فقدت أفرادها فى القتال، لأن ذلك يعنى أن أبناءهم قد ماتوا فى حرب عبثية، وبدون هدف، وليس لمصلحة الوطن والدفاع عن أمنه وحريته. 

رابعاً: إن التجربة المعاصرة للحروب - بعد كل ذلك التقدم فى الحريات وعلى رأسها حرية الصحافة قد لجأت الى اصطحاب الصحفيين مع الجنود حتى يروا المعركة من جانب واحد، ولا ينشروا شيئاً عنها بدون موافقة القيادة التى تصحبهم معها، وقد حدث هذا فى غزو العراق 2003، حين منعت القيادة الأمريكية وجود أى صحفى ليس مشمولاً برعاية قواتها. 

كل هذا يؤكد لنا حقيقتين أساسيتين: الأولى أن حرية الصحافة ليست أهم من المصالح الوطنية العليا، وليست مبرراً لتدمير الروح المعنوية للجيش، ومن ورائه الشعب، وليست أكثر قداسة من أرواح المقاتلين الذين يبذلون أنفسهم حتى آخر لحظة طمعاً فى النصر، ولا يستعجلون الهزيمة حتى يوفروا بعضاً من تلك الأرواح والأنفس، وسيذكر التاريخ أن المرحوم أحمد سعيد، ومحمد سعيد الصحاف كانوا أبطالاً، قاموا بدورهم حتى آخر لحظة، وهما ليسا مسؤولين عن النصر أو الهزيمة، ولكنهما قاما بمسؤوليتهما للحفاظ على تماسك الشعب، ودعم الجيش؛ بغض النظر عن نتيجة المعركة. 

والحقيقة الثانية: إن كرامة الأمة وتاريخها، وروحها الوطنية، وهوية وانتماء الأجيال ليست ورقة يتم توظيفها لمخاصمة نظام سياسى معين، أو للدفاع عن هيئة معينة مثل الصحفيين، أو لكسب معركة سياسية أو حقوقية أو مهنية معينة، لا يجوز العبث بتاريخ أمة بهذه الطريقة من أجل الانتصار للصحافة، هناك العديد من الطرق والوسائل خلاف إهانة تاريخ الأمة، والاستهزاء بأرواح عشرات الآلاف الذين ماتوا فى سيناء عام 1967، قدسية هذه الدماء أهم كثيرا من كبرياء من يعتبرون أنفسهم سلطة فوق السلطات، وللأسف جاءت قناة الجزيرة القطرية لتضع مهنة الإعلام والصحافة فى موقع آخر، حين تتحول هذه المهنة النبيلة الى وسيلة للتخريب والتدمير والفتن، يصبح من الضرورى مراجعة فكرة السلطة الرابعة، هى مهنة مثل باقى المهن الأخرى، ولا قدسية لها. 

وأخيرا فلنراجع موقف كل من المانيا واليابان بعد هزيمتهما النكراء فى الحرب العالمية الثانية، هل يستعيدون هذه الهزيمة ويحتفلون بها من خلال صب اللعنات والتهم على القيادة فى ذلك الوقت؟ أم أن هذه الشعوب تجاوزت الهزيمة، ومسحتها من ذاكرتها وانطلقت نحو حالة لن تعيد مقدمات هذه الهزيمة الى يوم الدين؟ هكذا تتعامل الشعوب الحية مع لحظات انكسارها...تتعلم الدرس وتتجاوز روح الهزيمة، ولا تستعيدها أو تتغنى بها من أجل المناكفة السياسية.

نقلا عن الاهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشعوب الجادة لا تقف عند لحظات انكسارها الشعوب الجادة لا تقف عند لحظات انكسارها



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 13:18 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد
  مصر اليوم - ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد

GMT 20:16 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

دور السينما في جنوب أفريقيا تسحب وثائقي ميلانيا ترمب
  مصر اليوم - دور السينما في جنوب أفريقيا تسحب وثائقي ميلانيا ترمب

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

مواعيد مباريات الثلاثاء 27 يناير 2026 والقنوات الناقلة

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 15:13 2025 الأحد ,07 كانون الأول / ديسمبر

أجمل فساتين السهرة التي تألقت بها سيرين عبد النور في 2025

GMT 10:31 2024 الثلاثاء ,15 تشرين الأول / أكتوبر

علي ماهر يبحث تدعيم الجبهة اليسرى بالمصري بعد رحيل مارسيلو

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند

GMT 03:05 2018 الثلاثاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

طُرق طبيعية جديدة للتخلّص مِن عدوى الجيوب الأنفية المُؤلمة

GMT 09:13 2022 الثلاثاء ,01 آذار/ مارس

اذا طرق العنف بوابة الزواج

GMT 23:29 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

منة شلبي تثير الجدل حول عودة حنان ترك للتمثيل

GMT 08:43 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

كشف ملابسات العثور على جثة مسن داخل بئر بمركز قوص في قنا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt