توقيت القاهرة المحلي 02:34:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هربوا هم فماذا تبقى لنا؟

  مصر اليوم -

هربوا هم فماذا تبقى لنا

بقلم: خولة مطر

تأتى الدعوة بخجل شديد من شخص لم ألتق به إلا منذ لحظات. يقول بتلعثم: ابنتى ستتزوج بعد أيام وسنكون سعداء بتشريفك، وكان الرد الطبيعى: «وأنا أيضا»، تلعثم مرة أخرى وقال: ولكن الزواج فى الكنيسة فلم يجد أى علامات للتعجب أو تغييرا فى ردة الفعل، بل على العكس فطقوس الزواج فى الكنائس العريقة أكثر خشوع وتعيد التذكير ببعض ما كان يقال لنا عن مؤسسة الزواج التى تعرضت للكثير من الخراب والخسائر الفادحة حتى أصبح الطلاق هو الحاكم الأول والأخير فى كثير من العلاقات الزوجية.
***
تخوف الأب المسيحى فى دعوته وتردده ما هو إلا تعبير عن ما وصلنا له فى دولنا من خطاب معادٍ للمسيحيين ثم لكل الأقليات، ولكن المسيحيين هم الأكثر خوفا وكنائسهم تنتهك وتحرق بل تطالها التفجيرات فى فترات الأعياد الأكثر قدسية، لا حرمة لدين هو أحد الأديان السماوية، ولا لبشر كانوا إخوة وجيرانا وزملاء عمل وأصدقاء لم نكن نسأل عن دينهم سابقا ولم نكن نعرفه.
***
هرب المسيحيون من دولنا، رحلوا خوفا من القتل أو التنكيل أو الاضطهاد باختلاف أنواعه أو حتى من ترداد كلمة نصرانى، بمعنى يوحى بالسلبية.. هربوا إلى بقاع الأرض وهم من كانوا جزءا من ملحها وكثيرا من ثقافتها وحضارتها التى ميزتها عن الكثير من بقاع الكون.. هربوا ومعهم كثير من تاريخنا وحتى لغتنا، ألم تكن الكنيسة هى من حافظت على اللغة العربية. رحلوا وتركوا خلفهم تراثا نفتقده، تركونا للون واحد رمادي هو كما كثير من تفاصيل حيواتنا. فالجلوس بين عالمين متناقضين هو من شيم أهل العرب فى هذه المرحلة الحرجة. بعضنا تباهى بأنه أكثر تقبلا وتسامحا، وفى الكثير من ذلك بعض التودد والتقرب من الغرب الذى فصل الدولة عن الدين منذ قرون، أو حتى محاولة لصبغة هذا البلد أو ذاك بصبغة الحضارية فى التعامل. أما آخرون فلم يستطيعوا حتى رفع الصوت عندما نكلت داعش وأخواتها بالمسيحيين ورفعت الشعارات المغيتة، فجلسوا هم يتفرجون بل تجرأ آخرون للقول إن كلامهم هو كلام القرآن الذى لا يذكرون منه إلا الوعيد والتهديد والتخويف إما أن تفعلوا هذا وإلا لكم جهنم وعذاب المصير!
***
طورد المسيحيون حتى تحولت نسبتهم من 20% من سكان المنطقة قبل عقد إلى 2% حسب بعض التقارير، وتحولوا إلى مجرد أقليات لا حق لهم فى ممارسة طقوسهم أحيانا أو حتى فى بناء دور عبادتهم، أو تصبح الأخرى هدفا لقنابلهم والتعبير عن كراهية لطالما تعششت فى عقول البعض من رواد الجوامع بأئمتها المتطرفين.. عندما تركت المساجد فى عهدة الجهلة وأنصاف المتعلمين والمفسرين للدين حسب رؤيتهم الضيقة تحول كثير من الشباب إلى التطرف وإلى الحقد على الآخر، وكأنه العدو اللدود.. تقلص العراقيون فى العراق ثم انتقل ذلك إلى كثير من دول الجوار كلما أصبح خطاب الكراهية هو السائد.. وأصبح المسيحى يخبئ صليبه حتى لا يعاقب على ذلك لأن بعضهم نشأ فى بيئة كانت تكرر على مسامعه أن حاملى الصليب هم كفار!
***
هناك روايات وقصص عن قصص حب محرمة تجاه المسيحيين، عن أطفال يرفضون دخول الكنائس أو ينامون تحت الصليب.. عن أسئلة تبدو ساذجة ولكنها مغمسة بالعنصرية وكراهية الآخر يطلقها بعض المسلمون عند لقائهم بمسيحيين.. عن زمن أصبحت فيه التهنئة بعيد الفصح كفر أو «تقاليد غير محببة».. عن وظائف تحرم على المسيحيين ويفضل فيها المسلمون وكأنهم مواطنون منزوعو الحب والولاء للوطن، فالمسيحى متهم حتى يثبت براءته.
المحزن أن هذا لم يكن وضع بلداننا قبل عقود بسيطة بل على العكس كان المسيحيون جزءا من نسيج مجتمعاتنا، وكثير من الأعمال الدرامية القديمة جدا كانت ترسم شخصيات متنوعة فى الحى الشعبى أو المدينة. وكان من النادر أن يعرف الصديق ديانة صديقه بل هو من العيب أن تسأل عن الديانة أو الطائفة، السؤال الذى أصبح عاديا جدا بل ممجوجا عندما تتعرض لأسئلة من هذا القبيل، خاصة أن الكثير من مسيحيى الشرق قد حملوا أسماء عربية عريقة.
***
عدت للأب بعد أن سرحت فى حالنا المحزن ورددت أنه لشرف لى أن أحضر زفاف ابنتك فى الكنيسة، ابتسم ابتسامة عريضة عبرت عن كثير من الامتنان، ولكنها غمست ببعض من الحسرة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هربوا هم فماذا تبقى لنا هربوا هم فماذا تبقى لنا



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt