توقيت القاهرة المحلي 08:32:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين السياسة والرياضة.. مسألة قواعد

  مصر اليوم -

بين السياسة والرياضة مسألة قواعد

بقلم - عبد الله السناوي

كل ما يتصل بالمجال العام فهو شأن سياسى.
هذه قاعدة لا تقبل الاستثناء.
هناك فارق جوهرى بين الشأن السياسى باتساع نظرته والتوظيف السياسى بضيق أفقه.
بمدى قدرة السياسة على إشباع احتياجات مواطنيها تكتسب الدول مناعتها وقوتها وقدرتها على النهوض.
هذه مسألة تشمل ــ بالضرورة ــ جميع حقوق المواطنة وبناء دولة المؤسسات وكفالة الحريات العامة وكفاية الخدمات الصحية والتعليمية واستقلال الجامعات وحرية البحث العلمى والإبداع الفنى والثقافى والحق فى الرياضة.
لكل ميدان قواعده وأصوله الحديثة، فإذا غابت تضرب العشوائية البلد كله.
لم تكن مصادفة أن ينص الدستور المصرى على أن «ممارسة الرياضة حق للجميع» فى باب «الحقوق والحريات والواجبات العامة».
هكذا استقر النظر الإنسانى إلى ممارسة الرياضة باعتبارها حقا رئيسيا لكل مواطن.
كما استقر فى القوانين الرياضية الدولية منع التسييس وإقحام الصراعات الحزبية عليها واستخدام منصاتها لدعايات عنصرية.
بقدر وضوح القواعد اكتسبت الألعاب الرياضية شعبيتها وسحرها.
فكل شىء يمضى وفق قوانين تحترم وقواعد تلزم وكل طرف يعرف حدود دوره وأصول المنافسة بما يضفى على المكسب شرعية استحقاقه.
من هذه الزاوية اكتسبت الرياضة قدرتها على التقريب بين الدول والشعوب والثقافات ــ إنها لغة واحدة مفهومة وممتعة معا.
من زاوية أخرى فإنها تزكى روح التنافس بين الدول فى اختبارات الجدارة وفق الشعار الأوليمبى: «الأسرع والأعلى والأقوى».
ما يجرى ــ أحيانا ــ من مناكفات سياسية قبل الدورات الأوليمبية يعبر عن طبيعة النظرة إليها كمؤشر على أوزان الدول وقدراتها.
من الأسرع فى معدلات النمو والتطور؟
من الأعلى بمقاييس جودة الحياة؟
ومن الأقوى فى القدرات العسكرية والاستراتيجية؟
نزع الرسائل السياسية عن المنافسات الرياضية وهم كامل.
فى الحالتين، السياسية والرياضية، فإن كفاءة المنظومة أساس كل حساب.
المنظومة السياسية مسألة مؤسسات ودولة قانون وفصل بين السلطات والتزام كل مؤسسة بأدوارها الدستورية لا تتعداها ولا تتغول على غيرها.
إذا توافرت الاشتراطات فإننا أمام دولة حديثة فرصها مفتوحة على المستقبل.
والمنظومة الرياضية مسألة قواعد وقوانين تضبط التنافس وسلامة التصرفات.
منذ العصور الحديثة هناك سؤال يلح على الفكر العربى: لماذا تقدموا؟.. ولماذا تأخرنا؟
تعددت الإجابات باختلاف المدارس والاجتهادات دون أن نتوقف بشىء من الجدية أمام حضور القواعد هناك وغيابها هنا، ضمانات التنافس هناك وغيابها هنا، روح العمل الجماعى هناك وغيابها هنا، تراكم الخبرات وتطويرها هناك وغياب التراكم هنا ـ كأننا نقرأ كتاب التاريخ من جديد ولا نتعلم من التجارب السابقة.
بأية قراءة موضوعية لظاهرة لاعب المنتخب المصرى «محمد صلاح»، الذى تألق فى الدورى الإنجليزى واكتسب سمعة عالية كواحد من أفضل اللاعبين فى العالم، فإنها تعود بالأساس إلى المنظومة الرياضية التى يعمل بمقتضى قواعدها وأصولها وقدرته على الانضباط والإبداع وفقها.
إذا غابت القواعد فلا منظومة رياضية، أو غير رياضية.
تحسين المجال العام من ضرورات بناء منظومات رياضية حديثة ومتقدمة وقادرة على المنافسة وإثبات الجدارة وعودة الجمهور إلى ملاعب كرة القدم مسألة لا غنى عنها حتى تعود الحياة إلى طبيعتها.
غياب الجمهور رسالة سلبية على مستويات الاستقرار تؤثر بالسلب على حركة الاقتصاد وجذب السياحة، كما تضرب الرياضة كصناعة.
هذه مسألة سياسية مباشرة.
كما أن ذلك الغياب يحرم قطاعات واسعة من الرأى العام من حق أصيل فى المتنفسات الاجتماعية تضيق به الصدور.
ملاعب كرة القدم مثل الحدائق العامة ودور المسرح والسينما والمقاهى والمنتديات تسمح بالتنفس الاجتماعى، فإذا أغلقت، أو حوصرت، يدخل المجتمع فى أزمة عميقة، حتى لو بدت مكتومة.
هناك فارق بين التنفيس والتنفس، الأول فعل إلهاء، والثانى ضرورة حياة.
وقد كان تطورا سلبيا وخطيرا ما جرى فى استاد القاهرة الدولى خلال مباراة بين فريقى «الأهلى» و«مونانا» الجابونى فى دورى أبطال إفريقيا من أعمال شغب حطمت خلالها مقاعد وكاميرات مراقبة وأعقبتها حملة اعتقالات فى صفوف «الألتراس» وتحقيقات أمام نيابة أمن الدولة.
بأثر الحادث تأجلت أى عودة للجمهور بصورة واسعة وطبيعية إلى ملاعب كرة القدم وأوقفت أية مباريات فى استاد القاهرة الدولى برمزيته وموقعه فى قلب العاصمة.
كما انكشفت المنظومة الرياضية بمناكفات بين أطراف مختلفة كل منها يلقى المسئولية على الآخر دون مراجعة حقيقية، أو أية مصارحة على شىء من الجدية.
يكاد الغبار أن يعمى الأبصار عن الحقائق، فالجميع يدين ما جرى، بمن فيهم «الألتراس»، وبعض الأصوات تطالب بالقمع المفرط واعتبار الجمهور ــ دون تمييز ــ عنصر هدم للاستقرار وتهديد للدولة.
ذلك يعنى ــ أولا ــ نوعا من التجهيل بأسباب ما هو مكتوم ومنذر وسط جمهور عريض وغاضب من مشجعى «الأهلى»، أكبر الأندية الرياضية المصرية وأكثرها شعبية، على خلفية صدامات سابقة مع الأمن لم تجد من يحتوى آثارها بالحوار لا الوعيد حتى يستعيد العلاقة الطبيعية المفترضة بين جمهور يشجع وأمن يصون.
ويعنى ــ ثانيا ــ أن طاقة الغضب والإحباط مازالت تتفاعل وتنذر بصدامات مقبلة دون أن تجد من يتفهم دوافعها ويعمل على التئام جراحها التى نزفت بقسوة، فى حوادث سابقة أخطرها ما جرى فى استاد «بورسعيد» وأفضى إلى سقوط (٧٢) ضحية من بين المشجعين.
ويعنى ــ ثالثا ــ أن احتمالات الصدام تظل ماثلة إلى أجل غير معلوم طالما بقيت طاقة الغضب على حالها، أو استمدت من البيئة السلبية المحيطة مددا إضافيا بقدر ما تحتويه من تشوهات فى العلاقة بين الأمن وشعبه.
ويعنى ــ رابعا ــ غياب أية إدارة سياسية للملف الشائك، وبعض الاتهامات المرسلة لـ«الألتراس» تمنع أى تواصل ممكن، خاصة أنهم أدانوا ما جرى فى استاد القاهرة واعتذروا عنه.
هناك خط فاصل بين العقاب القانونى فى حدوده وإطلاق التجريم من أى قيد سياسى أو أخلاقى.
تخريب المنشآت العامة جريمة لا يصح لأحد أن يدافع عنها وتعميم الاتهام دون قرينة خطيئة لا يصح لأحد ارتكابها.
هذا كلام فى القانون والعدل والشأن العام يهم كل مواطن برسائله ومحاذيره، سواء دخلت «كرة القدم» فى اهتماماته أو انصرف عنها.
القواعد مسألة التحاق بالعصر وضوابط لا تحجب الحريات باسم الأمن ولا تمنع حرية إبداء الرأى تحت سيف الترهيب.
بلا قواعد حديثة لن يصلح شىء فى هذا البلد من المؤسسات النافذة إلى ملاعب كرة القدم.

نقلا عن الشروق القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين السياسة والرياضة مسألة قواعد بين السياسة والرياضة مسألة قواعد



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt