توقيت القاهرة المحلي 10:15:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اختفاء خاشقجى: مأزق دولتين

  مصر اليوم -

اختفاء خاشقجى مأزق دولتين

بقلم - عبد الله السناوي

ككل حوادث الاختفاء المماثلة يصعب التوصل إلى الحقيقة الكاملة فى غضون أيام وأسابيع، وقد تمتد ظلال التكتيم لسنوات وعقود.
استغرقت قضية اختطاف ومقتل الزعيم المغربى «المهدى بن بركة» فى فرنسا منتصف ستينيات القرن الماضى سنوات طويلة تأكد بعدها تورط أجهزة أمنية للدولة التى يفترض أن تحميه فى الجريمة الشنيعة.

وكان لتكشف الحقيقة تأثير هائل على المستقبل السياسى للمغرب، نبذت صفحة الماضى الدموى، جرت مراجعات تاريخ وتغيرت معادلات حكم.
واستغرقت قضية اختطاف وزير الخارجية الليبى الأسبق «منصور الكخيا» فى تسعينيات القرن الماضى من أمام فندق قاهرى سنوات طويلة أخرى حتى عثر على جثته عام (2012) بعد سقوط نظام العقيد «معمر القذافى» دون أن تستبين حتى الآن القصة الكاملة ولا لقى المتورطون أى عقاب.
كان لهذا الاختطاف تأثير بالغ السلبية على سمعة النظام الليبى وألقى بظلال كثيفة على مستقبله.
قدر أكبر من الغموض اكتنف اختفاء الإمام «موسى الصدر» فى ليبيا قرب نهاية السبعينيات ولا أحد يعرف حتى الآن ما الذى جرى بالضبط ولا كيف لقى مصرعه رغم متغيرات الحوادث العاصفة.

وقد أفضت تداعياته إلى ما يقارب التدمير الكامل للعلاقات الليبية اللبنانية.
بدرجة أخرى من الخطورة تبدت تساؤلات وتكهنات فى قصة اختفاء «رضا هلال» الصحفى بجريدة «الأهرام» عام (2003) مع بزوغ سيناريو التوريث فى مصر.
وقد كان ذلك الاختفاء بظروفه وأجوائه وما تواتر حوله من روايات مرسلة أحد علامات تقوض سمعة نظام الحكم.
رغم إطاحة نظام الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» بعد ثورة «يناير» فإن ستائر الكتمان على قصة اختفائه ما زالت مسدلة ولا كشفت حقيقة واحدة.
يصعب القول إن مصيرا مشابها سوف تلقاه قضية اختفاء الصحفى السعودى «جمال خاشقجى» من داخل قنصلية بلاده فى إسطنبول.
حجم التغطية الإعلامية الدولية داع أول للاعتقاد بأنه يصعب إغلاق الملف فى أى مدى منظور بمقايضات المصالح فى الكواليس، فكل تصرف وإجراء وقرار يخضع للمتابعة تحت أضواء الكاميرات.

وقضية حرية الصحافة وحماية الصحفيين داع ثان للاستنفار فى المنظمات الحقوقية والصحفية الدولية طلبا للحقيقة حيث تحظى هذه القضية بنوع من الإجماع يصعب غض الطرف عنه أو التقليل من أثره داخل مراكز صناعة القرار حيث يضغط الصحفيون فى كل مؤتمر صحفى بالسؤال والاستفسار عن المواقف التى تتخذها حكوماتهم.
والتوظيف السياسى للحدث المأساوى داع ثالث للاعتقاد بأن أحدا لن يأخذ موقفا مجانيا، لا بالصمت ولا بالتبرير، إذ تبدو الفرصة سانحة أمام بشاعة ما جرى لتصفية حسابات أو جنى مغانم.
بصورة أو أخرى فإن هناك سباقا مكتوما سوف تجرى وقائعه بين المصالح والمبادئ، ولكل طرف إقليمى أو دولى حساباته.
بعد أسبوع كامل من اختفاء «خاشقجى» أبدت الإدارة الأمريكية اهتماما بالحدث شمل الرئيس ونائبه ووزارة خارجيته، وتواترت تعليقات رسمية من الأمم المتحدة إلى الدول الكبرى فى الاتحاد الأوروبى تطلب وتلح على إجراء تحقيق شفاف وكشف ملابسات الجريمة وعقاب المتورطين فيها.
هكذا وجدت السعودية وتركيا بدرجتين مختلفتين نفسيهما فى مأزق إدارة أزمة أنفاس العالم تتردد فى جنباتها.
المعضلة السعودية: كيف تثبت عدم تورطها فى حادث الاختفاء؟
والمعضلة التركية: كيف تحمى هيبة أمنها من التقويض بأثر الحادث؟
هناك روايات ترجح، وعليها شواهد وقرائن، فرضية الاحتجاز القسرى لـ«جمال خاشقجى» داخل القنصلية السعودية فى إسطنبول قبل اختفائه نهائيا دون أن يكون بوسعها الجزم بما جرى فعلا.

باليقين فإنه قد دخل إلى مقر القنصلية لإنهاء أوراق تتطلبها إجراءات زواجه من سيدة تركية.
الكاميرات التقطت صورا له وهو يخطو داخلها عبر بوابتها الخارجية، نشرتها صحيفة «الواشنطن بوست»، التى كان يكتب فيها، دون أن تتوافر أية صور مماثلة لخروجه تنفى فرضية احتجازه القسرى.
ما حصلت عليه الصحيفة الأمريكية الشهيرة تسريب من السلطات الأمنية التركية فيما أعلن السفير السعودى فى واشنطن أن كاميرات القنصلية لم تكن تعمل يوم دخول «خاشقجى» إليها.
على من تقع مسئولية كشف الحقيقة؟ ــ السلطات السعودية التى وقعت حادثة الاختفاء داخل إحدى بعثاتها الدبلوماسية أم السلطات التركية التى يشكك الحادث فى قدرتها على حماية حياة زوارها؟
ما الذى جرى بالضبط داخل القنصلية؟
هذا موضوع أى تحقيق شفاف فى الحادث يطالب به العالم ولم يعد هناك مناص منه.
يصعب توقع أن تفضى الموافقة السعودية على تفتيش مقر القنصلية من سلطات التحقيق التركية إلى إجلاء أى حقيقة، لكنها خطوة فى تعاون لازم لوضع الأمور فى نصابها.

هناك تساؤلات عديدة تستدعى الإجابة عليها والإلمام بخفاياها.
هل ذهب «جمال خاشقجى» إلى القنصلية بترتيبات وتطمينات مسبقة أم لا؟
ما طبيعة التطمينات التى حصل عليها؟
حسب تسجيل صوتى قبل الحادث بثته الـ«بى بى سى» لم يكن مطمئنا على سلامة حياته، لم يصف نفسه بأنه معارض لكنه وجد نفسه مطاردا.
بطبيعة تجربته السياسية والصحفية فهو ابن المؤسسة السعودية، عمل بجوار بعض أركانها مستشارا مقربا، وتولى مناصب صحفية وإعلامية بمباركتها.
شىء من الاتصالات جرت، فلا يعقل أن يذهب إلى القنصلية دون ترتيبات مسبقة، يدخل ويخرج بالأوراق التى طلبها دون سلام أو كلام.
هذا احتمال مرجح يعترضه أنه ترك هاتفه الجوال مع خطيبته التركية التى كانت تنتظره خارج القنصلية طالبا منها أن تتصل بمسئول تركى بعينه إذا ما تأخر خروجه.

أين الحقيقة؟
بافتراض أنه كانت هناك ترتيبات مسبقة لزيارته للقنصلية فمن الطبيعى أن أحدا ما أخذ علما واتخذ قرارا.
من هو؟.. ولماذا «خاشقجى»؟.. وما هو الخطر الداهم الذى يمثله حتى يجرى التخلص منه؟
لا توجد إجابة حتى الآن للطريقة التى جرى بها التخلص منه.
تسريبات وقصص متضاربة الإثارة فيها تغلب التدقيق، الذى يفترض أن يتولاه التحقيق.
أحد الفرضيات التى شاعت فى المساجلات المفتوحة أن طرفا ثالثا سعى من وراء الحادث إلى إفساد العلاقات التركية السعودية.
لا تستند هذه الفرضية إلى ما يسند ويقنع، فالعلاقات متوترة أصلا وتشوبها احتقانات معلنة زادت مع تفاقم الأزمة الخليجية وانحياز تركيا إلى قطر واحتضان جماعة «الإخوان المسلمين» على أراضيها.
لم يكن الأمر كذلك عند تولى العاهل السعودى «سلمان بن عبدالعزيز» السلطة فى بلاده عقب رحيل شقيقه الملك «عبدالله بن عبدالعزيز».
أرجو أن نتذكر أن الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» كان أول من زار الرياض مهنئا، وترددت تكهنات قوية باحتمال فتح صفحة جديدة تخفض بمقتضاها العلاقات مع مصر وتفتح نافذة سياسية ما على الجماعة.
وكان «جمال خاشقجى» أعلى الأصوات تبنيا لهذا الخيار، الذى أخفق سريعا.
الحقائق تقوض نظرية الطرف الثالث.
لا يعنى أن جهات وجماعات بعينها تنحاز إلى تركيا وتناهض السعودية أنها متورطة فى الحادث، لكنها تحاول توظيفه سياسيا بمقتضيات المناكفة السياسية.
بين التورط والمناكفة والتوظيف تخضع قضية «خاشقجى» لسيناريوهات متضاربة فوق المائدة وتحتها، طلبا للحقيقة أحيانا وانتصافا للضحايا أحيانا أخرى أو سعيا للمصالح على حساب أى قيمة إنسانية فى أغلب الأحيان.

نقلا عن الشروق

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اختفاء خاشقجى مأزق دولتين اختفاء خاشقجى مأزق دولتين



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt