توقيت القاهرة المحلي 19:17:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البائس... أصلاً وترجمة

  مصر اليوم -

البائس أصلاً وترجمة

بقلم: سمير عطا الله

ذكرنا مرة كيف أن عباس محمود العقاد كان يسخر من أدب الحزن واللطم والتفجّع في تلك الأيام، ويستنكره على أصدقائه وخصومه سيان، وقد تخصص في نقد ومطاردة المسكين مصطفى لطفي المنفلوطي صاحب «النظرات والعبرات» وشيخ البكّائين في تلك المرحلة. وكان العقّاد إذا أراد مهاجمة المنفلوطي قدّم لذلك باعتذارات كثيرة، شارحاً أن المنفلوطي صديق بالدرجة الأولى، لكن الصداقة لا تغلب على الحقيقة. إذا كان للأدب في القرن الماضي عملاقان، هما العقّاد وطه حسين، فإن عميد الأدب العربي لجأ إلى الحيلة نفسها في كتابة هجاء مُقْذع للشاعر حافظ إبراهيم. حاول شاعر النيل، على ما يبدو، ترجمة الجزء الأول من رواية «البؤساء»، لفيكتور هوغو. وكان العميد يحب كل ما كتبه شاعر فرنسا، ويكره منها «البؤساء»، ويرى فيها عملاً مملاً مليئاً بالإطالات. وربما السبب كونه يكره الحزن والكآبة. كما كان، مثل العقاد، يتبرّم بتلك المرحلة التي طغت فيها الأحزان على النتاج الأدبي في مصر. وقال مرة: «كان البدع في أيام صباي تكلّف البؤس وانتحال سوء الحال، والافتنان في شكوى الناس والزمان. كان ذلك بدعاً في العقد الأول من هذا القرن، وكان حافظ يذيع هذا البدع ويروّجه».
لم تستفزّ الرواية وحدها العميد، بل استفزته خصوصاً الترجمة. وبعد الإسهام ومديح أسلوب شاعر النيل ولغته العربية والتشديد على علاقة الصداقة معه، ينتقل إلى القول إنك ما أن تبدأ في قراءة الترجمة حتى تشعر بأنها كُتبت في غير هذا العصر. وفي سخرية حادة يقول، من الأكثر سهولة أن تفهم «البؤساء» بالفرنسية مما أن تفهمها بترجمة حافظ. فالشاعر لا يسيء فقط فهم النص الذي يتصدى له، بل هو يُهمل أيضاً الكثير مما فيه، بحيث لا يعود له معنى على الإطلاق. ويروي العميد أن أحد كُتّاب مصر المُجيدين بكل براءة: «أليس غريباً أن يكون ابن المقفع أدنى إلى إفهامنا من حافظ»؟
يقول العميد: «نأخذ حافظاً بعيوب ثلاثة: الإسراف في اللفظ الغريب، والإعراب التام عن بعض النصوص. والتشويه الذي يختلف قوة وضعفاً لبعضها الآخر. وهذه العيوب الثلاثة خطرة جداً، ولكن حافظاً يستطيع أن يحتملها، فليس يمكن أن نقرأ، لا أقول ترجمته، بل أقول كتابه دون أن تستفيد». غير أن هذا الاعتذار، أو الاستدراك، أو المقدمة من الصداقة والمشاعر، لا يخفف من الحكم القاطع الذي أصدره العميد على شاعري فرنسا ومصر، في وقت واحد.
الخلافات الأدبية والصداقات الشخصية كثيرة في الأدب العالمي أيضاً. ومن أشهرها ما كتبه النمساوي ستيفن زفايغ في «عالم الأمس» عندما تحدث عن الصداقة الشديدة التي ربطته بأحد المترجمين الكبار في فرنسا. وروى أن المترجم هو أحب اصدقائه في بلد كان له فيه الكثير من الصداقات والمودّات. وعندما كان يزور باريس، لم يكونا يفترقان من لحظة وصوله إلى محطة القطار. وحسب روايته، فإن المترجم البالغ الثقافة لم يكن صديقاً ودوداً فحسب، بل كان معلماً غير مباشر، يلجأ إلى مشورته في كل قضايا الأدب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البائس أصلاً وترجمة البائس أصلاً وترجمة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt