توقيت القاهرة المحلي 08:27:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المدن والأوبئة

  مصر اليوم -

المدن والأوبئة

بقلم - سمير عطا الله

تبذل السلطات حول العالم كل ما تستطيع من أجل المحافظة على الأجزاء القديمة من المدن والعواصم. فهي صورة هويتها وتاريخها وهندساتها الجمالية القديمة. وما يسمى الآن «وسط البلد»، هو نوع من الكنوز المختلفة التي لا وجود لها في التوسع العمراني، الذي نشأ بصورة تلقائية مع الهجرة العظيمة من الأرياف، وتمدُّد المناطق السكنية بحيث أصبحت، في حد ذاتها، مدناً لا علاقة لها بكل ما سبق.
غير أن ما نراه اليوم متحفاً قديماً من المباني والحجارة، لم يكن كذلك في الأصول والنشوء. فالأروقة الضيقة والبيوت المتلاصقة والشوارع المتعاكسة كانت أيضاً مخصباً للأمراض والأوبئة. فهي تفتقر بالدرجة الأولى إلى العنصر الصحي الأساسي، أي أشعة الشمس الشافية. وقديماً قيل: البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله طبيب. وعندما جاء نابليون في حملته على مصر، كان عدوه الأول الطاعون، وليس الإنجليز. وأدرك ذلك سريعاً، فانسحب. ومرض هو، وخلفه نابليون الثالث، على أن تكون شوارع باريس وجاداتها على العرض والسعة. وتعلم أيضاً ما تعلمه سواه وهو أن شبكات الصرف الصحي أكثر أهمية من الأدوية والعلاج في محاربة الأمراض والجراثيم.
أما الحداثة المعمارية في المدن العربية فقد قلصت المدينة القديمة. وازدادت هذه الظاهرة منذ القرن الثامن عشر. وراحت الأجيال تندمج في مجتمعات جديدة، فلم يعد القروي ينقل معه قريته وعاداتها وتقاليدها، بل أصبح جزءاً من نهج حياتي جديد ذابت فيه الأرياف، ولم يبقَ من معالمها سوى التندر والحكايات والطرائف، كما هو حال الصعايدة في حواضر مصر.
يأخذنا الدكتور خالد زيادة في «المدينة العربية والحداثة» (دار رياض الريس للكتب والنشر)، في جولة ممتعة بين نشوء المدن وقيام الحداثة. ولعلّه أفاد كثيراً في هذه الدراسة من السنوات التي أمضاها في القاهرة سفيراً للبنان. فقد أخذ معه إلى هناك هوايته ومهنته الأصيلة كمؤرخ. وانصرف بالمعاينة وعلى الطبيعة إلى البحث في كبرى مدن العرب. يقول خالد زيادة وهو يقارن بين مدن اليوم وعمار الأمس: «ماذا تبقّى من الماضي المديني وتقاليده وعاداته؟ وما هي حال حداثتنا المدينية والعمرانية؟
لو قيّض لابن خلدون أن يعود إلى القاهرة التي أقام فيها، فلن يتعرف عليها، ولن يلمح تلك العظمة التي جعلتها أكبر مدن العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر. ولن تكون دهشة محمد كرد علي أقل لو تجوّل اليوم في شوارع دمشق التي كتب خططها في أوائل القرن العشرين. وكذلك حال علي الوردي مع بغداد بعدما كتب صفحات من تاريخ العراق الاجتماعي.
المدن القديمة توارت وتغيرت معالمها وتلاشت، وتزايد عدد سكانها أضعافاً مضاعفة بفعل الحداثة. وأدى التحديث إلى قيام مدينة جديدة إلى جوار القديمة التي هجرها سكانها، وهُجّر الوسط التجاري الحديث، ونشأت على أطرافها الضواحي الكبيرة المزدحمة التي لا أثر فيها للتراث العمراني، وتعبّر عن «أزمات الحداثة».

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المدن والأوبئة المدن والأوبئة



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt