توقيت القاهرة المحلي 23:59:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قد جاء يعتذر

  مصر اليوم -

قد جاء يعتذر

سمير عطا الله
بقلم - سمير عطا الله

في هذه المهنة العظيمة، تمر الأحداث بالصحافي خلافاً لما تمر بسواه. عند غيره، تمر عابرةً، سريعةً، بلا أثر. حدث يحل محل آخر. هنا يتولى الصحافي مهمة التدوين والتحليل والتأمل. وهو يتأثر أحياناً بما يجري بعيداً أو قريباً منه، بحيث يصبح جزءاً منا لحدث. يستنكر ويقدّر. يعجب بالبعض ويشجب البعض الآخر. يتعامل مع رموز البطولات والجنون والشر والبناء والتسامح، وكأنه مواطن في بلدانهم.

إنه يتعاطى مع بعض الظواهر التاريخية كل يوم، بسبب مهنته، لا بسبب رغبته. وبعكس القارئ العادي، أو غير المعني، تغلب عليه مشاعره ومواقفه. و«العاطفيون» منهم يصبح كل بلد بلدهم، وكل قضية قضيتهم. وكان بعض الزملاء يأخذون علي أنني أعود دائماً إلى ستالين وهتلر، إلى أن شاهدنا معاً ظهور خلفائهم من بول بوت، وأغوستو بينوشيه، وجنرالات الأرجنتين.

متابعة هذه الظواهر بالنسبة إلى الصحافي ليست خياراً ولا ترفاً. ومهمته أو قدرته، ليست تغيير العالم، لكنها بالتأكيد الشهادة عليه. أوائل السبعينات شاهدنا المستشار الألماني التاريخي فيلي برانت يركع معتذراً عما فعله الألمان بأهالي الأودر- نايسه خلال الحرب العالمية الثانية. كان المشهد مذهلاً ومروعاً. لم يسترد ركوع برانت حياة واحدة من ضحايا النازية، لكنه أدخل شيئاً من الراحة إلى نفوس الألمان المثقلة بالذنوب.

كانت تلك سابقة أدخلت على السياسة الدولية، قلدها الكثيرون من الشعوب القاتلة ذات مرحلة، مثل اليابانيين والكوريين. والاعتذار لم يكن سببه الحرب، فالحرب هي الحرب، إنما كان السبب الفظاعات والوحشيات والجرائم.

اكتشف الألمان واليابانيون وسواهم بعد قليل أن الاعتذارات لا نهاية لها. وبسبب كثرتها فقدت معانيها ولم يعد أحدٌ يأبه بها. وماذا يفيد أن يعتذر رجلٌ هو مثال الإنسانية، عن كائن هو مثال الهمجية المجنونة في البلد؟

الشعوب، مثل الأفراد، تُصاب بنوبات أو موجات توحش. قبل أعوام كنت أتحدث إلى صديق يوناني بالغ الحساسية القومية، وقال لي، جاءنا قبل أسابيع الرئيس الألماني يواخيم غاوك وألقى خطاباً اعتذر فيه عما فعل الألمان بنا خلال الحرب، ومن شدة تأثره أجهش بالبكاء. فراحت زوجته تحاول التخفيف عنه.

أضاف الصديق، بين السخرية والألم، «يشفق المرء على الألمان. ليس هناك بلد أو شعب لا يدينون له باعتذار». من يقرأ التاريخ اليوناني الحديث كمن يقرأ المأساة الإغريقية القديمة. ذبحهم النازيون ثم الشيوعيون. قتلوا النساء والأطفال، مرةً باسم البطولة، مرةً باسم الخيانة. وفي الحالتين مع الاعتذار.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قد جاء يعتذر قد جاء يعتذر



الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب
  مصر اليوم - الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt