توقيت القاهرة المحلي 23:56:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البرلمان المغربي... تقصي الحقائق و«الأخبار المزيفة»

  مصر اليوم -

البرلمان المغربي تقصي الحقائق و«الأخبار المزيفة»

بقلم:لحسن حداد

في زمن السرعة الرقمية، لم تعد الأخبار الكاذبة مجرد أخطاء مهنية أو انزلاقات إعلامية عابرة، بل أصبحت أداةً سياسيةً كاملةَ الأركان. خبر واحد، أو منشور واحد، أو صورة مصحوبة بتعليق مضلل، يمكن أن ينتقل في ساعات قليلة من صفحة مجهولة إلى آلاف الحسابات والمنصات، قبل أن يصبح في نظر جزء من الرأي العام «حقيقة» لا تقبل النقاش.

هذا بالضبط ما حدث خلال الأيام الأخيرة مع الرواية التي انتشرت على نطاق واسع، ومفادها أن «83 مستشاراً برلمانياً بمجلس المستشارين صوتوا ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول دعم استيراد الأغنام». انتشرت المعلومة كالنار في الهشيم، وتناقلتها صفحات سياسية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تحولت تدريجياً إلى يقين جماعي لدى كثيرين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقق من أساسها القانوني أو الإجرائي.

المثير في هذه القضية ليس فقط سرعة انتشار الخبر، بل الطريقة التي تم بها بناؤه. فالرواية اعتمدت على فكرة بسيطة وسهلة التسويق: هناك أغلبية برلمانية تخشى الحقيقة، لذلك صوتت ضد لجنة لتقصي الحقائق. إنها رواية جذابة سياسياً، سهلة الفهم والتداول، وتستجيب لميل طبيعي لدى الجمهور لتصديق الأخبار التي تؤكد قناعاته المسبقة.

غير أن المشكلة تبدأ عندما نصطدم بالوقائع.

حسب المعطيات القانونية والدستورية المنظِّمة للجان تقصي الحقائق، فإن إحداث هذه اللجان لا يبدأ أصلاً بعملية تصويت عمومي داخل المجلس كما تم الترويج لذلك. الدستور ينص على شروط محددة، من بينها توفر النصاب القانوني المطلوب من التوقيعات قبل المرور إلى باقي مراحل المسطرة. وفي حالة مجلس المستشارين، الذي يضم 120 عضواً، يتطلب الأمر توقيع ثلث الأعضاء، أي ما لا يقل عن 40 مستشاراً. وإذا لم يتحقق هذا الشرط، فإن المسطرة لا تنتقل أصلاً إلى مرحلة التصويت التي جرى الحديث عنها في وسائل التواصل الاجتماعي.

بمعنى آخر، السؤال القانوني الأول ليس «من صوت ضد اللجنة؟»، بل «هل تم استيفاء شروط تقديم الطلب أصلاً؟».

هنا تكمن المفارقة الكبرى. فبينما كان جزء من الرأي العام يناقش أسماء «83 مستشاراً» قيل إنهم صوتوا ضد الحقيقة، كان النقاش القانوني الحقيقي يدور حول وجود الطلب من عدمه، وحول استكماله للشروط الدستورية والإجرائية اللازمة.

الأخطر من ذلك أن بعض المنابر والصفحات لم تكتف بنقل المعلومة دون تدقيق، بل أضافت إليها شحنة سياسية وأخلاقية ضخمة، وقدمتها للرأي العام باعتبارها واقعة ثابتة لا تقبل الجدل. وهنا نكون أمام أحد أخطر أشكال «الفايك نيوز»: ليس اختلاق الوقائع من العدم، بل إعادة تركيبها بطريقة تؤدي إلى استنتاجات مضللة.

إن الديمقراطية لا تقوم فقط على الحق في النقد، بل أيضاً على واجب الدقة. فمن حق المعارضة أن تنتقد الحكومة والأغلبية، ومن حق الأغلبية أن تدافع عن مواقفها، لكن ليس من حق أحد أن يستبدل النقاش السياسي بالتحريف الإجرائي أو القانوني.

الأخطر أن مثل هذه الممارسات تضر بالمؤسسات نفسها. فعندما يكتشف المواطن لاحقاً أن الرواية التي تم تسويقها له لم تكن دقيقة، فإنه لا يفقد الثقة في الصفحة التي نشرتها فقط، بل يفقد جزءاً من ثقته في العمل السياسي والإعلامي برمته.

لقد كشفت هذه الواقعة مرة أخرى أن المغرب، مثل باقي الدول التي تلتمس طريقها بثبات نحو الديمقراطية المعاصرة، أصبح يواجه تحدياً جديداً: ليس فقط إنتاج الحقيقة، بل حمايتها أيضاً. فالمعركة لم تعد بين الأغلبية والمعارضة، ولا بين الحكومة ومنتقديها، بل بين الوقائع والتأويلات، بين المعلومة الموثقة والانطباع السريع، وبين السياسة باعتبارها نقاشاً عقلانياً والسياسة باعتبارها صناعة يومية للضجيج.

في النهاية، تبقى الحقيقة البرلمانية بسيطة: المؤسسات الديمقراطية تُنتقد بالقانون، وتُراقب بالقانون، وتُحاسب بالقانون. أما الأخبار الكاذبة، مهما كانت براعتها أو سرعتها، فإنها قد تنتصر لساعات أو لأيام، لكنها لا تستطيع أن تنتصر على الوقائع إلى الأبد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البرلمان المغربي تقصي الحقائق و«الأخبار المزيفة» البرلمان المغربي تقصي الحقائق و«الأخبار المزيفة»



GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 06:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 06:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 05:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 05:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - ناسا تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt