توقيت القاهرة المحلي 05:49:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل نتعاطف مع كنيسة باريسية؟

  مصر اليوم -

هل نتعاطف مع كنيسة باريسية

بقلم: حازم صاغية

قبل إخماد النار في كنيسة نوتردام، ضربَنا، على وسائل التواصل، زنّار من نار: لا تحزنوا على ما حلّ بباريس. عيب وخيانة أن تحزنوا...
هذا الصوت، المتفاوت الحضور والتمثيل بيننا، استهجن أن يؤلمنا، عرباً ومسلمين، ذاك الحدث. ولِرَدعنا عن الحزن قيل: لقد احترقتْ مدن، فضلاً عن مساجد وكنائس، في بلداننا، وينبغي ألا نتعاطف إلا مع مآسينا. قيل كذلك: هناك شعوب وجماعات تعاني الأمرّين في أوطاننا، وهي وحدها تستحقّ عواطفنا. قيل أكثر من ذلك: فرنسا بلد استعماريّ، وكنائسها؛ خصوصاً تلك التي احترقت، وثيقة الصلة بحروب الصليبيين.
في المقابل، انتشر كلام كثير وصحيح، إلا أنه يشبه الكليشيه السياحي، عن «نوتردام» وجمالها. عن مركزيتها في المشهد الباريسي. عن موقعها في التاريخ الفرنسي. عن عمارتها القوطية. عن التحف الفنية التي تحتويها. عن فيكتور هوغو وروايته...
لكنْ لا بأس بتركيز النقاش في مكان آخر مداره مفهوم التعاطف. فبعضنا، وبعض سِوانا أيضاً، يمضغون فكرة بدائية مفادها التالي: العاطفة كميّة محدودة تنفد باستعمالها. فإذا تعاطف واحدنا مع ابنه قلّت قدرته على التعاطف مع ابنته، والشيء نفسه يصحّ في الأصدقاء والأمكنة والمآسي... فالمطلوب إذن أن نصبّ مشاعرنا كلّها حيث قومنا أو قضايانا: «راجل واحدْ، مبدأ واحدْ»، كما تقول أوبريت «الجيل الصاعد».
وهذا ما يفترض وجود وجهة نظر، وطنية أو قومية أو دينية، فيما خصّ الأحاسيس والعواطف. وجهة نظر كهذه مُلزِمة 24 ساعة في الـ24، إنّها تعمل ليلاً ونهاراً بلا توقّف.
أغلب الظن أن رأياً إجماعياً كهذا أمر لا وجود له، وإذا وُجد سيكون مفتعلاً وخطيراً، إذ يُبرمجنا ويصبّنا في قالب كالذي يُصَبّ فيه الكوريون الشماليون. المسألة، في المقابل، تتّصل بالحساسيات الفردية والتجارب الشخصية: بمدى علاقة كلّ واحد منّا بما يتعاطف معه أو لا يتعاطف. هذا المبدأ يصحّ في حالات يُفترض أنها بعيدة عن العواطف. فحتى في الحروب تنشأ صلات وروابط شخصية بين جنود متحاربين إذا جمعتهم خنادق متقاربة لفترات طويلة.
لكنْ ما دمنا نتحدّث عن أفراد على صلة ما بثقافة سياسية، أو بنُتَفٍ منها، استحال تجاهل التسييس الوحشي الذي يلغي ما عداه. قوام هذا التسييس مطالبة الفرد بأن يكون آلة سياسية طبقاً لمفهوم مُعتَقدي جامد عن السياسة.
لكنّ السياسة، والحال هذه، تتقلّص إلى «موقف» لا يعبأ بحرية الأفراد وتجاربهم، ولا يعنيه ألم الجسد الإنساني. فهي تأمر بالتعصّب لما يتراءى: «موضوعياً»، مُحقّاً وصائباً، أي «مناهضاً للاستعمار والصهيونية»، بغضّ النظر عن آراء الناس فيه، وعن معاناتهم المباشرة منه. أما الأفكار التي تزدهر في الوسط هذا، ولو على شكل شعارات شفوية، فلا تحضّ إلا على تجزئ الإنسان والإنساني: «ليس هناك إلا المصالح، وكلّ اعتبار آخر مزعوم. العلاقات من أعلاها إلى أدناها علاقات سلطة ونزاع على السلطة. الغربيّون حين يكتبون عنّا، ما عدا نعوم تشومسكي، يكونون استشراقيين، والعياذ بالله من الاستشراقيين»!
هذا التراكم لا ينجب إلا كائنات ذئبية ومشوهة، كائناتٍ تكره بالمطلق وترى أنّ تاريخ الآخر جوهر ثابت مكروه. ففرنسا هي الحروب الصليبية دائماً وأبداً، أو أنّها مساوية لحاكمها بالمعنى الذي يقال فيه «سوريّا الأسد» أو «عراق صدّام».
لكنّ ذلك كلّه لا يحدّ من ألم مشروع ينتابنا أحياناً. ذاك أنّ التعاطف الذي تستقطبه مآسينا أقل من أحجامها وأقل مما تستحق. وإذا كانت مسؤولية الغرب السياسي مؤكّدة، فإنّ مسؤولية أنظمتنا مؤكّدة أيضاً. فالتعاطف مع المباني يبدو كمالياً عندنا بقياس ما يعانيه البشر قهراً وإيلاماً. يضاف إلى ذلك ما يتعلّق بموقع منطقة ما من العالم الأوسع ومدى حضور هذا العالم فيها، وما يطال الفارق بين بورجوازياتنا حيال أوطانها وبورجوازية فرنسا في إحساسها ببلدها وتاريخه وثقافته، ما حملها على تقديم التبرّعات السخية لترميم «نوتردام»، ناهيك عن سيطرة البلدان الغربية على الصورة المنظورة والمسموعة، وعلى دفقها وتداولها الكونيين. وهذا جميعاً لا صلة له بالمؤامرات، وينبغي ألا تكون له صلة بالتعاطف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل نتعاطف مع كنيسة باريسية هل نتعاطف مع كنيسة باريسية



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt