توقيت القاهرة المحلي 04:17:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حرب «الحقّ» على الحقيقة!

  مصر اليوم -

حرب «الحقّ» على الحقيقة

بقلم: حازم صاغية

ليس بلا دلالة أنّ «الحقّ» و«الحقيقة» يملكان، أقلّه في اللغة العربيّة، أصلاً لغويّاً واحداً. مع هذا، فالفوارق بين الاثنين كثيرة. ذاك أنّ الحقّ مفهوم كبير ومجرّد وقد يكون خلافيّاً، يصعب على من يدّعي امتلاكه أن يبرهن ذلك دائماً. و«الحقّ» قد يتشارك فيه مدّعيه مع آخرين يختلفون عنه أو يخاصمونه، لكنّهم هم أيضاً يدّعونه أو يدّعون جزءاً منه. أمّا الحقيقة فحدثٌ ملموس، كبير أو صغير، يصعب أن يقبل سوء التأويل، ويصعب أن يقبل المشاركة بين طرفيه، إذ الجاني واضح والمجنيّ عليه واضح أيضاً. إنّه حدث يمكن أن يُبرهَن وجوده، ويمكن كشفه إذا استتر أو حُجب. وهذا لا يتمّ أساساً عبر الأفكار والسجالات، إذ يلعب البحث والتجريب والتحقيق القضائيّ وجهاز الشرطة الأدوار الكاشفة فيه.
والحقّ ليس بالضرورة جمعاً للحقائق أو مراكمةً لها، لكنّه بالتأكيد ليس نقيضها ولا عدوّها. فحين يغدو الأمر كذلك، نكون أمام مشكلة في حَقّيّة هذا الحقّ، وفي زعم أصحابه أنّه حقّ.
يحصل هذا خصوصاً مع الذين ينسبون إلى أنفسهم امتلاك كلّ حقّ وكلّ الحقّ. وأحياناً لا تكفيهم الحجج الأرضيّة لتعزيز زعمهم فيدّعون النطق بلسان الله كي يمتّنوا دعواهم. هكذا يعيّنون أنفسهم حزباً لله، أو أنصاراً لله فيستدرجون المقدّس إلى ملعبهم.
غير أنّ مسارهم نفسه قد يضعهم في مواجهة كلّ الحقائق: يكذّبونها أو ينفونها أو يزيّفونها أو يقمعونها أو يقتلون العارفين بها منعاً لانكشافها. هؤلاء تعمل الحقائق ضدّ حقّهم، ومَن يكون حالهم كهذا يصعب أن يكون حقّهم حقّاً.
وصِدام «الحقّ» والحقائق في منطقتنا، وفي العالم، قديم نسبيّاً. ودائماً كان «الحقّ» شكّاكاً بالحرّية وبالقضاء وبالأرقام لأنّها كلّها، وبطرق مختلفة، قد تقود إلى الحقيقة. لكنّ الأمور لا تدوم طويلاً هكذا. فبعض ذاك الحقّ المطلق ينقلب ذريعة للطغيان. وبعضه يتجاوزه الزمن. وبعضه تمتحنه التجارب فيرسب في امتحانها... في المقابل، قد يزداد عدد الذين يعرفون أكثر، كما قد يزداد عدد الذين يكتشفون بلحمهم الحيّ أنّ كلفة هذا «الحقّ» عليهم أكبر كثيراً من كلفة عدمه. وأيضاً قد يزيد عدد الذين تضجرهم إعلانات ذاك «الحقّ» التي لم تتغيّر كثيراً منذ الخمسينات. والأهمّ ما قد يتبيّن للكثيرين من أنّ ذاك «الحقّ» مصدر سلطة وارتزاق لدعاة «الحقّ» أنفسهم، لكنّه مصدر إخضاع ونهب لهم.
على العموم، يغدو هذا «الحقّ» بالتدريج نقيضاً للحقيقة، عاجزاً عن التعايش معها، بل يغدو شرطُ استمراره استئصالَ الحقائق ووأدها.
وهناك حالات نموذجيّة باتت معروفة جدّاً في الإصرار القسريّ على نفي التباين بين «الحقّ» والحقيقة. في الأنظمة التوتاليتاريّة مثلاً يستمرّ زعم التوافق بين الحقائق العلميّة وغيرها وبين «الحقّ» الذي تدافع عنه تلك الأنظمة. لهذا تلجأ أنظمة «الحقّ»، قبل أن تسقط، إلى تزوير الحقائق أو فبركتها، وإلى تعميم الكذب، ومعاقبة من يروي مشاهداته أو يقدّم معطيات صلبة يستقيها من الواقع وتناقض ما يقوله «الحقّ». الحقيقة تغدو، وفق تعبير بعثيّ شهير، «إيهاناً لنفسيّة الأمّة». وقد سبق للباحثة الأميركيّة ليزا ويدين أن وصفت الكلام في سوريّا الأسد بمعادلة «كما لو أن»، أي تعالوا نكذب ونتظاهر بأنّنا نصدّق. قبل ويدين، حدّثنا شيزلو ميلوش، الشاعر والروائيّ البولنديّ، في كتابه «العقل الأسير»، عن تحوير الكلام وتزييفه في ظلّ الشيوعيّة البولنديّة، واعتماد «الكتمان» أو التقيّة في تواصل لا يصل أحداً بأحد. قبل أيّام، اقترح علينا الزميل عمر قدّور، ساخراً بالطبع، أن نقول إنّ إسرائيل قتلت لقمان سليم. هكذا نطوي الموضوع ونخنق الحقيقة على النحو الذي يشتهيه أصحاب «الحقّ».
وللبنانيّين تحديداً، كان مدهشاً ما تعلّموه منذ 2005. فبعد اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، ثمّ السياسيّين والإعلاميّين والضبّاط الذين اغتيلوا تباعاً، باتت معرفة الحقيقة مطلب المطالب. لكنْ بعد عام فحسب، وعبر حرب تمّ اقتيادنا إليها، عاد الاستنجاد بـ «الحقّ» لتعطيل الحقيقة: يا لله! إنّ إسرائيل في مواجهتنا ووراءها أميركا، وتريدون معرفة القاتل! المقاومة وُضعت في مقابل القضاء. ما يستحيل التأكّد منه وُضع في مواجهة ما يمكن التأكّد منه. «الحقيقة» الوحيدة المقبولة هي القول إنّ إسرائيل هي التي قتلت الحريري. إنّها ما يطابق «الحقّ». من يقول العكس يبرّئ إسرائيل!
... على مدى سنوات طويلة والحقيقة تعمل عندنا ضدّ «الحقّ». على مدى سنوات طويلة و«الحقّ» يعمل ضدّ الحقيقة. ينكرها. يزوّرها. يخفيها. يقتل حامليها. هذا لا يمكن، على الإطلاق، أن يكون حقّاً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب «الحقّ» على الحقيقة حرب «الحقّ» على الحقيقة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt