توقيت القاهرة المحلي 22:37:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إذ يصوّتون: "الأقوياء" و "الضعفاء"

  مصر اليوم -

إذ يصوّتون الأقوياء و الضعفاء

بقلم : حازم صاغية

يطرح دونالد ترامب، في شخصه وصعوده، مسألة كثيراً ما استغرقت الأفكار السياسيّة. إنّها مسألة القوّة والضعف، والإمبراطوريّة والعبيد، والجلاّدين والضحايا، إلى ما هنالك من ثنائيّات درّجها خصوصاً قاموس اليسار الأميركيّ.

ولنقل، بادئ بدء، إنّ هيلاري كلينتون تمثّل الأقوياء، في هذه المنافسة الدائرة اليوم في الولايات المتّحدة. وهذا الوصف المستند إلى علاقاتها المؤكّدة بوول ستريت، إنّما تسبّب ببعض أكبر الانتقادات التي وُجّهت، وغالباً بحقّ، إليها. لكنّ تلك العلاقات لا توجز تعابير قوّتها: فكلينتون ابنة «المؤسّسة» و «النخبة»، عملت وزيرة خارجيّة وكانت زوجة لرئيس سابق حكم ثماني سنوات، وجمعت من المال لحملتها ما لم يجمعه ترامب، فضلاً عن أنّها تحظى بتأييد الولايات الأغنى، وتصوّت لها القطاعات الأكثر تعلّماً ومعرفة بالعالم وأحواله.

وبدوره يمثّل ترامب شريحة عريضة جدّاً من فقراء الولايات المتّحدة وضعفائها، تضمّ الطبقة العاملة البيضاء والفئات الدنيا التي تتاخمها في الهرم الاجتماعيّ. وإلى هذه الأوساط ينتسب الجنود الذين يُقتلون في الحروب، فيما الذين يعودون منها جرحى ومعوّقين لا يلقون العناية الطبّية اللازمة. وهؤلاء، على عكس الضعفاء السود واللاتين، لا يثيرون التضامن والتعاطف اللذين يستحقّونهما، ولا يوجد، باستثناء ترامب، من يحوّلهم رمزاً للقهر وأيقونة للتضحية.

صحيح أنّ مسألة «التمثيل»، هنا، وككلّ تمثيل، تستحضر إشكالات عدّة. فترامب لن يخدم مصالح الضعفاء الذين يمثّلهم، وهو إذا فاز بالرئاسة سيزيدهم ضعفاً على ضعف.

 لكنّهم اختاروه بمحض إرادتهم تبعاً لوعي زائف يستولي عليهم، وإن كان سلوك «النخبة» واحداً من البواعث الدافعة إلى وعي كهذا. لكنْ يبقى أنّ وعياً زائفاً كهذا سيرتّب، في حال فوز ترامب، نتائج كارثيّة على أميركا والعالم يصعب على أيّ حدث آخر أن يرتّب مثلها.

في المقابل، فإنّ كلينتون، القويّة، محكومة بإملاءات يصعب أن تتفلّت منها. وحتّى لو جرّدناها من كلّ حسّ إنسانيّ وأخلاقيّ، فإنّها تبقى ملزمة ببرنامج اجتماعيّ متقدّم توصّلت إليه مع بيرني ساندرز، وبموقع حزبها في الرأي العامّ وتأثير سياساتها على كسبه انتخابات مقبلة، وحرصها على المؤسّسات واشتغالها. وهذه العوامل وسواها تعني أنّ هذه السيّدة «القويّة والنخبويّة» ستكون أكثر تمكيناً للضعفاء من ممثّلهم المختار دونالد ترامب.

وتفضيل هؤلاء على أولئك يمكن البرهنة عليه في معظم البلدان التي تتبع أنظمة ديموقراطيّة، يصحّ هذا في بريطانيا بين دعاة البقاء في أوروبا من «النخبويّين» ودعاة الخروج من «الضعفاء»، وفي فرنسا بين ألان جوبيه «النخبويّ» و «البورجوازيّ» وثنائيّ ساركوزي - لوبن المترجّح بين الشعبويّة والعاميّة، وفي إسرائيل بين ممثّلي «المؤسّسة» الإشكنازيّة التقليديّة والليكوديّين وحلفائهم الأجلاف.

 أمّا في ألمانيا فحرامٌ المقارنة بين أنغيلا مركل وبيغيدا.

وهو تفضيل تكثر البراهين عليه في الماضي، وفي كلّ حالة تمكّن معها طرف فاشيّ أو بونابرتيّ من بلوغ السلطة برلمانيّاً باسم الشعب والضعف والحرمان. ولا يختلف الأمر على نطاق كونيّ، حيث تُعدّ بلدان كروسيا بوتين وإيران الخامنئي، اللتين تستفحلان قوّةً وحشيّة في حلب، ضعيفتين تواجهان ما تعتبرانه الاحتكار الأميركيّ-الأوروبيّ للقوّة.

إلاّ أنّ التفضيل هذا لا يسري على المجتمعات التي لا تحكمها الديموقراطيّة والمؤسّسات، كمعظم بلداننا العربيّة، بحيث تتحوّل القوّة إلى توحّش بلا ضوابط، والضعف إلى عبوديّة بلا قاع. هنا يكون الضعفاء مصيبين والأقوياء مخطئين وخطرين، في انتظار أن يحظى الأوّلون بالحرّيّة ويباشروا السير نحو الديموقراطيّة أو ربّما نحو الطغيان.

وبالعودة إلى الولايات المتّحدة، كم يبدو تفضيل «الضعف» ممثّلاً بترامب، على «القوّة» ممثّلةً بكلينتون، استعادة كسولة لما فعله ويفعله ماركسيّون أهملوا وعي الطبقة واكتفوا بموقعها الاقتصاديّ. ذاك أنّ المأمول ليس التعلّق بوعي الضعيف الذي يستبطن قوّة استبداديّة ماحقة، طائفيّة أو إمبراطوريّة، بل التمسّك بالوعي الذي ينهي ضعفه بدل أن يكرّسه بحجّة مناهضة الأقوياء.

فعسى أن نستيقظ فجر الغد وقد ألحق هؤلاء «الأقوياء» هزيمة مدوّية بأولئك «الضعفاء» الخطرين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إذ يصوّتون الأقوياء و الضعفاء إذ يصوّتون الأقوياء و الضعفاء



GMT 09:19 2024 الأحد ,08 أيلول / سبتمبر

شريك المأوى

GMT 03:13 2024 السبت ,20 إبريل / نيسان

تواصل جاهلي

GMT 03:50 2024 الأحد ,14 إبريل / نيسان

الديمقراطية ومحكمة حقوق الإنسان

GMT 04:40 2023 السبت ,07 تشرين الأول / أكتوبر

جلّادون

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt