توقيت القاهرة المحلي 22:37:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المقاومة و «ثقافة المقاومة»

  مصر اليوم -

المقاومة و «ثقافة المقاومة»

بقلم : حازم صاغية

 حسناً فعل «حزب الله» بإصداره «توجيهاً داخليّاً» يتبرّأ فيه من مواقف صدرت عن بيئته. صحيح أنّه لم يؤكّد وقوفه مع حرّيّة النشاط الفنّيّ والثقافيّ، مكتفياً بعبارة ملتبسة هي أنّه ليس ضدّ «الفنّ الهادف»، لكنّ هذا يبقى أفضل ممّا يقوله الضاربون بسيفه.

الحزب، على الأرجح، يعلم أنّ «وضع السيف في موضع الندى» مُضرّ، وأنّ البنادق والصواريخ لا تُصرف إبداعاً ثقافيّاً: قد تمتلك أكبر البنادق وأصغر العقول، وأبعد الصواريخ إصابةً ومعها أقصر المخيّلات. والحزب، في آخر الأمر، غير معنيّ بالإبداع، يفضّل تجاهله على الاستغراق في مكافحته. هذا، عنده، غير مهمّ، وهو لا يهتمّ إلاّ بما يراه مهمّاً.

المشكلة هي الضوضاء التي يثيرها، بين فينة وأخرى، الضاربون بسيفه ممّن يلبسون طرابيش أكبر كثيراً من رؤوسهم. هؤلاء لا يكفّون عن استخدام «ثقافة المقاومة» لمقاومة الثقافة. و «ثقافة المقاومة» ليست، مثلاً، من صنف الاعتراض الماركسيّ على «الثقافة البورجوازيّة»، والذي امتلك دائماً رموزه الثقافيّة الكبرى وتصوّراته البديلة. هنا، نحن أمام فقر مدهش في السينما كما الأدب، وفي الرسم كما الموسيقى، وفي النحت كما المسرح. فـ «ثقافة المقاومة» هي تعريفاً افتقار إلى الثقافة. حتّى الملاحم، وهي جنس أدبيّ تجاوزه الزمن الحديث، لا تقوى عليه «ثقافة المقاومة». حتّى الزجل، وهو جنس آخر تجاوزته الثقافة المكتوبة، لا تجيده. وقد يقال، تبعاً لتعريف آخر، أنّ «ثقافة المقاومة» طريقة حياة. لكنْ أيّ طريقة حياة بائسة هي التي تهجرها السينما والأدب والرسم والموسيقى والنحت والمسرح و... الملحمة والزجل؟

هذه القطيعة تجعل الدلالات السحريّة في أدبيّات «ثقافة المقاومة» تطغى على الدلالات العقليّة: إذا قلتَ إنّنا مهزومون واستشهدتَ بدمار المدن وتفسّخ الأوطان ونزهات إسرائيل الجوّيّة وأوضاع اقتصاد العرب وتعليمهم، وبألف مَثَل آخر، فأنت إمّا مجنون أو مشبوه. إنّنا نقاوم! هذا يجعلنا منتصرين! العدوّ مهزوم ومأزوم دائماً وجوهريّاً!

«خوش ثقافة» كما يقول العراقيّون.

لكنّ القطيعة إيّاها تملك وظيفة أخرى لا تقلّ خطورة: إنّها تفسّر ميل الناطقين بلسان «ثقافة المقاومة» لأن يمارسوا الرقابة والتشهير المتواصل بالمثقّفين. فالمثقّف، عملاً بـ «ثقافة المقاومة»، هو الرقيب على الثقافة. إنّه من يعرف منها ما يؤهّله ممارسة الرقابة.

واقع الحال أنّ علاقة «ثقافة المقاومة» بالثقافة تشبه تماماً علاقة «الديموقراطيّة الشعبيّة» في بلدان المعسكر السوفياتيّ الراحل بالديموقراطيّة. الاثنتان تغيّران الموضوع الفعليّ وتُحلاّن محلّه موضوعاً زائفاً: «الديموقراطيّة الشعبيّة» تلغي أهمّية الانتخابات كمصدر لإرادة الشعب. «ثقافة المقاومة» تريد أن تنتزع موقعها في الثقافة انطلاقاً من حفر الخنادق. احفرْ خندقين في اليوم تكنْ مبدعاً عظيماً!

وثمّة من ينبّهنا إلى رقابات أخرى لا تثير الحساسيّات التي تثيرها رقابة «ثقافة المقاومة». هناك رقابة السلطة وأجهزتها، ورقابة المؤسّسات الدينيّة والطائفيّة الكثيرة. هذا صحيح. لكنّ تلك الرقابات ضعيفة ومفكّكة، والأهمّ أنّها لا تلوّح بالسلاح الذي لا تملك. فوق هذا، فالرقابات الأخرى لا تنطوي على هذا التمركز الروحيّ والوجدانيّ لـ «ثقافة المقاومة» حول «السيّد»، بما يكبح الحرّيّة بالقداسة، كما لا تسدّ منافذ التواصل مع العالم تبعاً لفكرة واحدة فقيرة وغير ثقافيّة بالتعريف. وهذه كلّها تجعل فتك الرقابة المذكورة أخطر وأعلى كلفة.

ثمّ إنّ الكون الذي تعدنا «ثقافة المقاومة» بالعيش فيه مستوحى من الغابة، حيث القتل والقتال معيار المعايير. وهذا ليس لبنان، وليس ما تطمح إليه أغلبيّة كاسحة من اللبنانيّين، أغلبيّةٌ تخطئ في أمور كثيرة لكنّها تصيب في طلب الحرّيّة، وأوّلها حرّيّة العيش كاختيار، حريّة العيش خارج حتميّة الغابة.

نقلًا عن الحياة اللندنية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المقاومة و «ثقافة المقاومة» المقاومة و «ثقافة المقاومة»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt