توقيت القاهرة المحلي 04:17:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اللاجئون السوريّون والآيديولوجيا السكّانيّة

  مصر اليوم -

اللاجئون السوريّون والآيديولوجيا السكّانيّة

بقلم - حازم صاغية

بينما كان بعض اللبنانيّين مستغرقين في مزادهم العلنيّ: هناك في لبنان مليونا سوريّ، بل ثلاثة ملايين، وفي بعض الكلام الشعبيّ أربعة...، ظهر أتراكٌ كلامهم يثير الغيرة والحسد: هناك في تركيّا عشرة ملايين سوريّ، كما قال كيليتشدار أوغلو، الذي نافس رجب طيّب إردوغان على الرئاسة، بل هناك 13 مليوناً، كما زايد عليه أوميت أوزداغ، رئيس حزب «الظَفر».

لقد قُذفت كرة الأرقام إلى أعلى يصعب أن يُطال. والحال أنّه ليس واضحاً ما إذا كانت المبالغة الفلكيّة للسياسيَّين التركيّين ستشجّع زملاءهما اللبنانيّين على المضيّ قدماً، رغم كلّ شيء، في ما بدأوه، أم أنّها ستُحبطهم وتنبّههم إلى الطابع الفضائحيّ للعبةٍ تفضح لاعبها.

المؤكّد أنّ لغة الأرقام منظومة وعي قائمة بذاتها، وفي الزمن الحديث كانت الثورة الصناعيّة أوّل استظهار لاشتغالها الموسّع. فوفادة الريفيّين إلى المدن بحثاً عن عمل في الص ناعة، وإقامتهم في أحياء فقيرة مكتظّة، أشعلا سائر المخاوف لدى مَن أذهلهم ذاك التحوّل الجبّار الذي اخترق حياتهم ولم يقووا على تأويله.

في 1798 حوّل الاقتصاديّ والديموغرافيّ الإنكليزيّ توماس روبرت مالثوس رعبه من السكّان إلى نظريّة: إنّهم ينمون هندسيّاً (1-2-4) فيما الغذاء ينمو حسابيّاً (1-2-3). لهذا على البشر أن يختاروا بين مجاعة كونيّة وإجراء جذريّ يخفض السكّان.

لكنْ حين طرحت الثورة الصناعيّة ثمارها، فتحسّنت أوضاع المواطنين وارتفعت معدّلات أعمارهم، بدأ الغذاء ينمو هندسيّاً وعدد السكّان ينمو حسابيّاً. السيناريو المالثوسيّ صار يندرج في تاريخ الأخطاء المشوبة بالنوايا السيّئة.

بعد أقلّ من قرن، عبّرت «الداروينيّة الاجتماعيّة» عن كره السكّان، بـ»العلم» هذه المرّة بدل الاقتصاد. لقد نقلت القوانين التي وضعها تشارلز داروين عن الحيوان والنبات عبر ملايين السنين لتطبّقها على البشر في حُقب زمنيّة قصيرة ومضغوطة. فمعادلة «البقاء للأنسب»، وفق صيغة الفيلسوف والعالم البريطانيّ هيربرت سبنسر، تقول إنّ الأضعف بين السكّان سوف يدفعون أثمان «الصراع على الوجود»، وما الحياة سوى هذا الصراع إيّاه. وعلى نطاق واسع استُخدمت «الداروينيّة الاجتماعيّة» تبريراً للتفاوت الاجتماعيّ والتوسّع العسكريّ والعنصريّة، وبالبناء عليها نشأت الخرافة التي سُمّيت «علم تحسين النسل» (eugenics).

في الحقبة نفسها تفنّن كتّاب وأدباء كثيرون في نعت الكثرة بأنّها الخطر الذي تقصفنا به طبيعة هائجة ومجنونة.

الكاتب الفرنسيّ الموصوف بالموسوعيّة، غوستاف لوبون، نسب إلى «الحشد» صفات التدمير والعجز عن التفكير والانقياد وراء العواطف. وفي مقابل الميل الذي ساد حينذاك إلى التنظيم النقابيّ والحزبيّ، بما يدافع عن مصالح الأفقر والأضعف في الزمن الصناعيّ، رأى لوبون في «الحشد البسيكولوجيّ» سبباً لتخدير الوعي وإحلال الغرائز الجمعيّة محلّ العقل.

ولئن قرأ كبار ديكتاتوريّي القرن العشرين لوبون وأعجبوا به، ففي الثلاثينات أدلى بدلوه الفيلسوف الإسبانيّ جوزيه أورتيغا ي غاسّيت المرعوب من «حكم الجماهير». ذاك أنّ «حياة العاميّين»، بما تنطوي عليه من بربريّة وبدائيّة، غير «الحياة النبيلة»، فيما جذور الهلع الاجتماعيّ والثقافيّ لا تعود إلاّ إلى الانفجار السكّانيّ الذي أعقب الثورة الصناعيّة.

ولم يكن عديم الدلالة أنّ الكاتب والروائيّ الإنكليزيّ إتش جي ويلز (1866-1946) الذي يُعدّ «أب الخرافة العلميّة»، كان أكثر من أثّروا في مصطفى كمال أتاتورك الشابّ. فالتزايد السكانيّ، عند ويلز، يرقى إلى كارثة تستولي على الحضارة وتهدّدها بديكتاتوريّة الحشد. وربّما كانت الخرافة العلميّة الأهمّ لويلز هندسته الاجتماعيّة لجمهوريّة فاضلة أخرى يتولّى فيها المهندسون والتقنيّون خفض أعداد السكّان.

وبعد الثورة الصناعيّة، بات السياسيّون الديماغوجيّون يواظبون على إيقاظ المخيّلات الشرّيرة بإضافة الأصفار إلى الأرقام. واستنجاداً بعمق الخرافة التي لا تزال مقيمة فينا، شاع تشبيه الجموع بالحشرات والطفيليّات والبكتيريا والأمراض المُعدية، وهي الأوصاف التي تشبه ما استخدمه هتلر ومحازبوه في ما خصّ اليهود. فهم يتكاثرون، يتوسّعون، يصيرون أخطبوطاً، ينتشرون ويحتلّون المكان، يقضمون الموارد، يسيلون كالماء ويتصلّبون كالحجر، وهم دائماً وأبداً يتناسلون كالفئران. لكنّ الفأر الذي فيهم يتعايش أحسن التعايش مع الأفعى ومع الثعلب والضبع وعدد لا يُحصى من تلك الكائنات التي تطلع من تحت الأرض كما تهبط من فوقها قبل أن تنقضّ علينا بأنياب تقطر دماً.

وهذه المدرسة التي تلخّص البشر إلى عدد تعمل أيضاً في معرض الامتداح الذاتيّ فتجعله امتهاناً للذات. فـ»المليون شهيد» في الجزائر أمٌّ خصبة البطن لأفكار وصور سقيمة أخرى. ويذكر اللبنانيّون مثلاً كيف تحدّث في الثمانينات زعيم «حركة أمل» اللبنانيّة نبيه برّي، فرأى أنّ المسلمين لطالما خاضوا في السرّ «حرباً تناسليّة» ضدّ «الهيمنة المارونيّة». وعلى مدى عقود ظهر بيننا شعراء يهدّدون العالم بـ»أمّة السبعين مليوناً» ثمّ «التسعين مليوناً». لكنْ منذ بدأ عدد العرب يتجاوز المئة مليون، لم تعد عروض الشعر وتفعيلاته تتّسع للأرقام الجديدة.

وحياة البشر، في آخر المطاف، ليست مكتب إحصاء بيروقراطيّ، ولا مستشفى لمداواة العجز الذي يحسّه سياسيّ هنا وكتلة سكّانيّة أو جماعة حزبيّة هناك. وفي الحالات كافّة، فإنّ ردّ الأجساد والنفوس إلى أرقام، وربّما إلى جثث، لا يمكن أن يكون أخلاقيّاً. وهو بالطبع لا يمكن أن يكون صائباً، لكنّه أيضاً لا يستطيع أن يكون خاطئاً، لوقوعه في ما وراء الصواب والخطأ الإنسانيّين.

اليوم، عدد السوريّين هو عنوان الانتهاك الأبرز على هذا الصعيد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللاجئون السوريّون والآيديولوجيا السكّانيّة اللاجئون السوريّون والآيديولوجيا السكّانيّة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt