توقيت القاهرة المحلي 14:20:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لمَ يلزم تقديم العدالة على الديمقراطية؟

  مصر اليوم -

لمَ يلزم تقديم العدالة على الديمقراطية

بقلم : زياد بهاء الدين

 اعترض بعض الأصدقاء والزملاء على مقالى المنشور الأسبوع الماضى بعنوان «العدالة قبل الديمقراطية»، انطلاقا من أن العدالة لن تتحقق فى غياب الديمقراطية، وأن قبول إرجاء الإصلاح السياسى يفتح بابا واسعا للسكوت على استمرار تقييد الحريات وغلق المجال العام. وقد أسعدنى للغاية هذا الحماس ووضوح الرؤية من قراء لم يتأثروا بالمناخ العام المعادى للحريات والديمقراطية فى مصر والعالم، ولا بالخطاب السائد إعلاميا والذى يسعى لترسيخ مفهوم التعارض بين الحرية والشراكة فى الحكم وبين الاستقرار والتنمية الاقتصادية كما لو كان من المسلمات.

والواقع أن ما دعوت اليه الأسبوع الماضى لم يكن إهمال الديمقراطية ولا إرجاء المطالبة بها إلى أن تتحقق العدالة فى المجتمع، بل كانت خاتمة المقال السابق «دعونا إذن لا نهمل الديمقراطية ولا ننسى الحقوق التى كفلها الدستور، ولكن الاولوية فى الوقت الراهن يجب أن تكون لاعلاء راية العدل واحترام القانون». وتقديرى أن هذا الترتيب مطلوب فى الوقت الحالى لأكثر من سبب.

من جهة أولى فإن تحديد أولويات العمل العام يجب أن يتعلق ليس فقط بما هو أصلح نظريا أو أهم من حيث المبدأ، ولكن أيضا بِما يمثل أولوية حقيقية وملحة لدى الجمهور الواسع غير المهتم بالضرورة بالشأن السياسى والمنشغل بالسعى وراء تلبية حاجاته الأساسية فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. ولكن حتى فى هذا السياق الذى تتصدر فيه الحالة الاقتصادية مشاغل الناس، فإن قضية العدالة تبرز وتتقدم على غيرها من القضايا العامة لأنها تمس كل منزل وكل فرد وكل أسرة مهما كانت ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية أو انتماءاتهم الثقافية والفكرية. لا يوجد من لا يعانى بشكل أو بآخر من تراجع قيمة العدالة فى المجتمع سواء فى مجال الحريات العامة والسياسية، أم فى اقتضاء حقوقه التجارية والاقتصادية، أم فى الحصول على نصيبه من الخدمات العامة، أم فى حماية ممتلكاته الخاصة، أم فى مجرد التنازع المعتاد بين الأفراد فى المجتمع. قضية العدالة مظلة جامعة وقادرة على اعادة الحراك والاهتمام بالشأن العام من مدخل لا خلاف عليه.

ومن جهة ثانية لتقديم قضية العدالة أن وعى المواطنين بحقوقهم بشكل عام، وبأهمية أن تكون القوانين عادلة ومنطقية، والقضاء مستقل، والحكومة وأجهزة الدولة التنفيذية خاضعة كلها لحكم القانون، هو المدخل الأهم والأكثر فاعلية لبناء الوعى السياسى والارتباط بقيم المواطنة والمساواة والحقوق، وهى الأسس التى تنبنى عليها الدولة الديمقراطية التى تحترم الدستور والحريات العامة. العدالة إذن ليست مطلبا فى حد ذاته فقط بل الأساس الذى ينبنى عليه الوعى بالمجتمع وبالشأن العام وبحقوق المواطنين فى كل المجالات.
وأخيرا فإن القضيتين ــ العدالة والديمقراطية ــ ليستا فى الواقع منفصلتين. ولذلك فإن المطالبة بتحقيق العدالة بما يتضمنه ذلك من تنقية القوانين من النصوص التى تخالف الدستور أو تحرم المواطنين من حقوقهم الاساسية فى التعبير والتنظيم والاحتجاج أو تحد من استقلال القضاء أو تسمح بتدخل السلطة التنفيذية فى سير العدالة، هى فى الواقع مطالبة بتحقيق جوهر الديمقراطية والحوكمة بغض النظر عن العنوان الذى يتصدرها.

العدالة هى القضية الأساسية والأهم التى ينبغى الالتفاف حولها فى الوقت الراهن والدعوة اليها والتبصير بأهميتها، ليس باعتبارها بديلا عن باقى القيم الانسانية والسياسية التى ينبغى لوطننا أن يعيش فى ظلها، ولكن لانها المدخل الأفضل لبلوغ هذه القيم ولبناء توافق شعبى نفتقده فى جميع جوانب العمل العام.

علمت بعد كتابة هذا المقال بوفاة المرحوم المناضل الكبير الاستاذ خالد محيى الدين، الذى قضى عمره مدافعا عن حرية الوطن والمواطنين وعن الديمقراطية والعدالة والمساواة للشعب المصرى، فله كل الدعاء بالرحمة ولأسرته وأصدقائه ورفاق دربه خالص العزاء.

 نقلا عن الشروق القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لمَ يلزم تقديم العدالة على الديمقراطية لمَ يلزم تقديم العدالة على الديمقراطية



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt