توقيت القاهرة المحلي 03:19:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الاستثمار الأجنبى والتحكيم الدولى سلاحان ذوا حدين

  مصر اليوم -

الاستثمار الأجنبى والتحكيم الدولى سلاحان ذوا حدين

بقلم - زياد بهاء الدين

الأصل فى الاستثمار الأجنبى أنه يجلب للبلد الذى يستضيفه منافع كثيرة، على رأسها العملة الأجنبية، والتكنولوجيا الجديدة، والخبرات الفنية والإدارية غير المتوفرة محليا، والفرصة لزيادة معدلات الانتاج والتشغيل والتصدير والنمو الاقتصادى. والأصل أيضا أن اتفاقات الاستثمار الثنائية وما تتضمنه من التزام بآليات وأحكام التحكيم الدولى من اهم محفزات الاستثمار الأجنبى لأنها تمنح المستثمرين الطمأنينة بان البلد المستضيف لن يتعسف فى استخدام سلطاته السيادية فى المسائل التجارية.

ولكن من وقت لآخر يحدث ما يذكرنا بأن الاستثمار الأجنبى، إن لم تحسن ادارته وتقدير عواقبه، يمكن أن يتحول إلى سلاح ذى حدين، يضر البلد أكثر مما يفيده، ويلقى على عاتق الدولة بالتزامات وتعويضات فادحة لا يتحمل عواقبها المسئولون بل الشعب الذى يسدد الثمن من مدخراته ومن موارده التى كان يجدر أن تتجه لتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة.

من هذه اللحظات الفارقة حكم التحكيم الدولى الذى صدر ضد مصر منذ أسبوعين لصالح شركة أسبانية بقيمة مليارى دولار أمريكى استنادا لعدم تنفيذ مصر لالتزامها بتوريد الغاز الطبيعى لمصنع الشركة فى دمياط. وبغض النظر عما اذا كانت مصر ستدفع التعويض كاملا أم ستنجح فى التفاوض على تخفيضه أم استبداله بالتزاماتاخرى، فإن النتيجة تظل مؤسفة وذات عواقب وخيمة. ولهذا فليس غريبا أن ترتفعالأصوات المطالبة بإعادة النظر فى سياسة الدولة لجذب الاستثمار بل والانسحاب من الاتفاقات الدولية التى تلزم مصر باحترام احكام التحكيم الدولية.

ولكن هذا رد فعل مبالغ فيه وبالتأكيد يؤدى لنتائج عكسية على الاقتصاد القومى.

فالواقع أن الاستثمار الأجنبى، وما يرتبط به من قبول للتحكيم الدولى، ليس شرا ولا خيرا فى حد ذاته، بل يأتى بعوائد سلبية أو إيجابية على أى بلد فى العالم بمقدار قدرة هذا البلد على إدارة ملف الاستثمار بحكمة وكفاءة، وتحديد أولوياته بوضوح، وتقديم الحوافز اللازمة لاستقطابه دون تعارض مع مصلحة البلد، ووضع الضوابط التى يلزم على المستثمرين احترامها بوضوح وشفافية، والدخول مع الشركات والمؤسسات العالمية فى شراكات واتفاقات متوازنة.

ولكن حينما تسعى الدول لجذب الاستثمار الأجنبى بأى شكل وأى ثمن ودون تقدير لميزان التكلفة والعائد، وحينما يكون معيار النجاح الوحيد لدى متخذى القرار والاعلام والجهات الرقابية والبرلمانية هو حجم الاستثمار الوافد إلى البلد دون تقدير للاثر الذى يحدثه، فإن هذا يهدد باستنزاف الموارد الطبيعية بأثمان بخسة، أو تصدير المعادن والثروات دون تحقيق قيمة مضافة، أو تلويث البيئة وتدمير الشواطئ والأنهار، أو استغلال العمالة المحلية دون مقابل عادل، أو التضحية بعوائد جمركية وضريبية بلا مبرر، أو التعاقد مع المستثمرين بشروط مجحفة وغير مدروسة تكون نهايتها التحكيم والتعويض.

لهذا فإن الحوار العالمى عن الاستثمار لم يعد معنيا بمجرد مقارنة الدول من حيث حجم الاستثمار الأجنبى الذى تستقطبه، وإنما بنوعية هذا الاستثمار واستدامته وما يضيفه لاقتصاد البلد من أجل تقدير إن كان فى نهاية المطاف مفيدا أم ضارا.

وهذا ليس خطابا متطرفا أو خياليا، بل تتصدره مؤسسات ومعاهد رصينة وجادة، أذكر منها على سبيل المثال مركز القانون الدولى بروما (IDLO) ومركز كولومبيا للاستثمار المستدام بجامعة كولومبيا بمدينة نيويورك (CCSD) ومنظمة الامم المتحدة للتجارة والتنمية بمدينة جنيف (UNCTAD) ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بمدينة باريس (OECD)، وكلها تنصح البلدان النامية بتبنى سياسات استثمارية متوازنة ومستدامة.

الحكم على مصر بتعويض قدره خمسة وثلاثين مليار جنيه مصرى لا ينبغى أن يمر مرور الكرام، ولا ان يتوقف عند حد ابداء الغضب والحسرة، وبالتأكيد لا يكون مناسبة للتراجع عن الاهتمام بجذب وتشجيع الاستثمار الأجنبى والمحلى.

ولكنه يجب أن يكون مناسبة للتفكير والحوار حول مستقبل الاستثمار الأجنبى فى مصر وضرورة بلورة سياسة اكثر اتساعا وعمقا من مجرد السعى لجذب الاستثمار بأى شروط وأية تكلفة، سياسة تضع الصالح العام الاقتصادى فى الصدارة وتدرك ان معادلة الاستثمار لا تنجح الا اذا حققت مصلحة المستثمر والبلد معا.

نقلا عن الشروق

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاستثمار الأجنبى والتحكيم الدولى سلاحان ذوا حدين الاستثمار الأجنبى والتحكيم الدولى سلاحان ذوا حدين



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هيفاء وهبي تتصدر إطلالات النجمات في عيد الفطر 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 03:28 2026 الخميس ,19 آذار/ مارس

دعاء ختم القرآن في رمضان مستجاب

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 16:54 2024 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

بنزيما يرشح كاسيميرو وعوار وفقير للانضمام لـ اتحاد جدة

GMT 22:45 2019 الثلاثاء ,01 كانون الثاني / يناير

غضب بين جماهير المصري لعدم حسم صفقات جديدة

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt