توقيت القاهرة المحلي 19:41:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

محمد الدكرورى.. ومدرسة التشريع المصرية

  مصر اليوم -

محمد الدكرورى ومدرسة التشريع المصرية

بقلم - زياد بهاء الدين

أمس الأول، وافق ذكرى مرور أربعين يومًا على وفاة أحد رواد القانون الإدارى المصرى والتشريع الاقتصادى الحديث، المرحوم المستشار/ محمد الدكرورى.

وفاته كانت لحظة جامعة لزملائه وأصدقائه وتلامذته- وهم كثر- وحزينة لكل مَن عرفوه وعملوا معه وتعلموا منه. شخصيًّا، أعتبر نفسى واحدًا ممن تعلموا منه الكثير، رغم أننى على عكس غالبية تلاميذه لم أكن من أبناء مجلس الدولة ولا القضاء المصرى، بل عرفته واقتربت منه سنوات طويلة امتدّت من ١٩٩٧ حتى ٢٠١١ خلال عملى فى وزارة الاقتصاد ثم هيئة الاستثمار وأخيرًا هيئة الرقابة المالية.

خلال هذه الفترة، اشتركنا فى دراسة وكتابة العديد من القوانين واللوائح والتعديلات التشريعية فى المجال الاقتصادى، كما قضينا ساعات طويلة فى الحديث والنقاش، أغلبها فى مكاتب وقاعات العمل الرسمية، وبعضها امتد إلى غرفة المعيشة فى منزله بمصر الجديدة حينما كانت متطلبات العمل تستدعى ذلك، أو فى شرفة مسكنه الصيفى بالإسكندرية حينما كان يدعونى إلى استكمال حوار لم ينته.

وكان يلفت نظرى أن زوجته الفاضلة السيدة «كاميليا» لم تكن تمانع من ذلك أو تبدى استياء من اقتحام العمل لمنزلها ومصيفها، بل كانت ترحب ترحيبًا بشوشًا، ربما رضوخًا لحقيقة أن هموم التشريع والقانون صارت جزءًا لا يتجزأ من حياتها المنزلية.

المستشار الدكرورى- أو «محمد بيه» كما كنا نسميه- من مواليد محافظة طنطا عام ١٩٣٤ وتخرج فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام ١٩٥٥، والتحق بمجلس الدولة فور تخرجه، وبقى مرتبطًا به طوال حياته، حتى بعد تقاعده، كما ظل معتبرًا نفسه من أبناء مدرسة القضاء الإدارى المصرى العريقة ومن سلالة السنهورى وأصحابه ومعتزًّا بهذا النسب المهنى إلى أبعد الحدود.

تعرفت على هذه المدرسة من خلال «محمد بيه»، ليس بالمعنى الأكاديمى، فالمعلومات والدراسات عن مجلس الدولة والقضاء الإدارى متاحة للجميع، بل أقصد روح هذه المدرسة وأصول التشريع وطبيعة تفكير القاضى الإدارى على النحو الذى لا يجد الباحث له مصادر مكتوبة أو مراجع عملية، فهذه «صنعة» أو «حرفة» لا تنتقل بين الأجيال إلا بالممارسة والتعلم والإنصات والخطأ والتصحيح.

ومن خلال العمل مع المرحوم المستشار الدكرورى أدركت الكثير عن هذه المدرسة لأنه كان معلمًا كبيرًا، صبورًا مع الأجيال الأصغر، ومستمعًا جيدًا لما لديهم من اقتراحات وأفكار، ومنفتحًا على ما يجرى فى العالم من تطورات تشريعية وفقهية، ولو كانت خارجة عن المنهج الفرنسى الذى تربينا عليه.

وأذكر مثالًا لذلك، حينما دعانا الدكتور يوسف بطرس غالى، وزير الاقتصاد آنذاك، إلى كتابة قانون جديد للإيداع والقيد المركزى للأوراق المالية، ولم تكن له سابقة فى مصر ولا العالم العربى، وأتاح لنا التعاون مع أكبر مكاتب القانون الأمريكية والبريطانية لأن الإيداع المركزى للأوراق المالية أكثر تقدمًا وكفاءة فى نظم القانون الأنجلوساكسونية.

وكانت تجربة استحداث مفاهيم قانونية جديدة فى نظامنا التقليدى تجربة رائعة وثرية للغاية. وأذكر هذا المثال ليس للخوض فى تفاصيله القانونية، ولكن لذكر جانب لافت فى شخصية «محمد بيه»، وهو قدرة الأستاذ والمعلم، مهما بلغ به المقام والخبرة، على أن يستمع وينصت ويتعلم بدوره ما يكون جديدًا عليه دون حرج أو تعالٍ، بل بتواضع شديد وفضول حقيقى ورغبة جارفة فى تطويع القوالب التقليدية لمستجدات العصر.

ومن المهم أيضًا فى هذا المقام أن أشير إلى أن مدرسة التشريع المصرية لم تكن مدرسة فردية، كما لا يمكن لأى مدرسة فكرية أن تنهض على جهد شخص واحد. وإذا كان «محمد بيه» قد اجتهد مع أبناء جيلنا فى تطوير التشريعات الاقتصادية المصرية، فإن جانبًا من هذا الزخم كان يرجع إلى احتكامنا إلى لجان مراجعة من كبار مستشارى مجلس الدولة والقضاء المدنى ضمت عمالقة آخرين- بعضهم رحل عن عالمنا وبعضهم أتمنى لهم طول العمر ودوام العطاء- ومنهم المستشارون الأجلاء.

(ومع حفظ الألقاب)، سرى صيام وفتحى نجيب وماهر عبدالواحد وحسن بدراوى وعبدالمجيد محمود، وآخرون لم أعرفهم، ولكن أتاحوا لجيلى أن يتعرف من خلالهم على مدرسة التشريع الوطنية، التى لا تزال على قمة الإنجازات الحضارية المصرية، وفى مقدمة ما نفخر به بين أشقائنا من المحامين والقضاة العرب.

رحم الله المستشار محمد الدكرورى، وسيبقى فى أذهان ووجدان جيلنا رائدًا ومعلمًا وعلمًا من أعلام مدرسة مجلس الدولة العريقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محمد الدكرورى ومدرسة التشريع المصرية محمد الدكرورى ومدرسة التشريع المصرية



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

أناقة نجمات رمضان 2026 في منافسة لافتة خارج الشاشة

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 23:16 2023 السبت ,01 تموز / يوليو

منة شلبي تروي تفاصيل دخولها عالم التمثيل

GMT 13:03 2021 السبت ,06 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 12:06 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:40 2021 الإثنين ,13 أيلول / سبتمبر

منى زكي تؤكد مشاركتها بموسم دراما رمضان 2022

GMT 05:12 2013 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مقتل وإصابة 10 نتيجة حادث مروريّ في قنا

GMT 10:24 2021 الأربعاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حريق ضخم في مصنع للمنتجات البلاستيكية في مصر

GMT 00:51 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

إلهام شاهين تنعى السلطان قابوس بن سعيد عبر "إنستغرام"

GMT 17:52 2019 السبت ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرفي علي طرق تنظيف الحوائط المدهونة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt