تحدثنا فى المقال السابق عن رأس الملكة نفرتيتى، وكشفنا عن معلومات مهمة عن كيفية رحيل الملكة بشكل مريب إلى برلين، وأتمنى أن تحث هذه المقالات المسؤولين إلى ضرورة توقيع الوثيقة التى تطالب بعودة رأس الملكة نفرتيتى إلى وطنها مصر.
وقبل الحرب العالمية الأولى بأعوام، كانت مصلحة الآثار المصرية تحت إدارة الفرنسى جاستون ماسبيرو، الذى كان أيضًا مديراً للمتحف المصرى بالقاهرة، وعلى الرغم من أن العلاقة بين ماسبيرو ولودفيج بورخارت مكتشف الرأس كانت تبدو جيدة فى ظاهرها، لكنها لم تكن أبداً لتمنعه من توجيه انتقادات لسلوك بورخارت فى الحفائر التى كان يجريها بتل العمارنة.
وعلى الجانب الأخر كان هناك الأثرى جوستاف لوفيفر، الذى كان يعمل بمصلحة الآثار والذى كان مكلفاً بإجراء عمليات قسمة المكتشفات بين البعثة الألمانية وبين المتحف المصرى وفق القوانين المصرية فى ذلك الوقت. ويذكر الباحث رولف كراوس أن لوفيفر كان فى ذلك الوقت شابًا يبلغ من العمر نحو ثلاثين عامًا، وكان يعمل تحت إدارة ماسبيرو، ولم يكن فى البداية عالم مصريات، وإنما كان عالمًا فى اللغات الكلاسيكية، ثم أصبح بعد فترة من أعلام اللغة المصرية القديمة.
ويشير كراوس إلى أن لوفيفر هو الذى قام بعملية تقسيم ما عُثر عليه فى حفائر العمارنة فى موسم 1912-1913. وبعد القسمة غادر بورخارت العمارنة يوم 28 يناير 1913. ولا تذكر يوميات الرحلة إشارات واضحة حول رأس نفرتيتى، ولكن توجد معلومات مهمة فى خطاب أرسله بورخارت إلى هاينريش شيفر فى برلين يوم 5 فبراير 1913، وقال فيه إنه أرسل إليه شيئًا سيعجبه، وإنه ينتظر أن يسمع منه فور وصوله.
وهنا يأتى السؤال: كيف تمكن بورخارت من شحن الرأس إلى برلين؟
يقول كراوس إن صناديق البعثة الألمانية تم شحنها من موقع الحفائر إلى المتحف المصرى بالقاهرة، وهناك تم التعامل معها وفحصها قبل خروجها. وإذا صح ما ورد فى هذه المعلومات، فربما يكون الرأس قد أُرسل إلى برلين فى صورة طرد، ثم نجح بورخارت بعد ذلك فى إخفاء وجود رأس نفرتيتى سرًا لنحو عشر سنوات.
وفى عام 1924 شاهد المسؤولون المصريون الرأس فى برلين، واعترضوا على وجوده هناك. وعندما جاء بيير لاكو، خليفة ماسبيرو فى إدارة مصلحة الآثار، وعرف بأمر الرأس، طالب بعودته إلى مصر، ورأى أن بورخارت لا بد أن يكون قد أخفى أهمية القطعة وقت القسمة. وقامت مصلحة الآثار بعد ذلك باتخاذ موقف صارم ضد بورخارت، منها منعه من الحصول على امتيازات جديدة للحفر فى مصر.
ويقول كراوس إن نتيجة هذه الأزمة ظهرت فى أكتوبر 1929، عندما نجح المسؤولون فى الوصول إلى اتفاق مع الجانب الألمانى يقضى بعودة رأس نفرتيتى إلى مصر مقابل مجموعة من القطع الأثرية المصرية. وقد وصل الاتفاق إلى مرحلة متقدمة، ولكن لأن المتحف الذى كان يحتفظ بالرأس كان جزءًا من متاحف الدولة، تدخلت الحكومة فى الأمر، وفى النهاية توقفت عملية التبادل بعد اعتراضات واسعة. هذا الموضوع مهم جدًا، لأننا هنا ننقل شهادة ألمانية عن كيفية التعامل مع رأس نفرتيتى وكيف استطاع بورخارت أن يخفى كثيرًا من الوقائع المتعلقة به.
وهناك أيضًا قصة عائلة جوتربوك. فقد كان جوتربوك وعائلته فى رحلة إلى سوريا ومصر فى نوفمبر 1912، أى فى الفترة نفسها التى كانت تجرى فيها حفائر تل العمارنة، وكانت زيارتهم للعمارنة ذات أهمية خاصة. وكانت إيميلى، زوجة بورخارت، من بين الأشخاص المرتبطين بهذه الدائرة. ولم يظهر فى مذكرات جوتربوك حديث واضح عن رأس نفرتيتى، رغم قربه من بورخارت، ورغم وجوده فى مصر خلال هذه الفترة. ويذكر رولف كراوس أن جوتربوك لم يذكر أيضًا فى مذكراته بعض التفاصيل المرتبطة بوجود بورخارت فى منزل والديه.
وعندما نزل بورخارت من محطة قطار ملوى، وهى محطة القطار المستخدمة للوصول إلى منطقة العمارنة، قام بإرسال خطاب إلى لوفيفر يطلب منه سرعة الحضور يوم 18 يناير قدر الإمكان لإتمام الإجراءات. إلا أن لوفيفر تأخر، ولم يصل إلا يوم 20 يناير، ويبدو أن بورخارت كان يريد إنهاء عملية القسمة بسرعة. وقد ظهر جزء من هذه القصة أيضًا فى الصحافة الألمانية، ومنها جريدة أسبوعية ألمانية تناولت أخبار الحفائر وما أثير من شائعات حول القطع التى عثرت عليها البعثة الألمانية.
وفى يوم 17 يناير وصلت عائلة جوتربوك إلى تل العمارنة. ولم تذكر السيدة جريت جوتربوك شيئًا واضحًا عن رأس نفرتيتى فى مذكراتها، لكن زوجها ترك خطابًا طويلًا يحتوى على وصف تفصيلى لما حدث أثناء عملية القسمة. وكان من بين الأسماء المرتبطة بهذه المراسلات العالم الألمانى جونتر رودر، الذى كان على صلة بالدوائر العلمية الألمانية، وكان قادرًا على الحصول على معلومات مهمة. وقد أجاب رودر فيما بعد على تساؤلات عالم الأثار المصرى سليم حسن، أحد أوائل علماء المصريات المصريين، والذى عمل فى المتحف المصرى بالقاهرة وأصبح بعد ذلك واحدًا من أهم علماء الآثار فى مصر.
وكانت تساؤلات سليم حسن تتعلق بما حدث أثناء القسمة، وما إذا كانت المعلومات المتعلقة برأس نفرتيتى قد ظهرت كاملة أمام ممثلى الجانب المصرى أم أن بعض التفاصيل لم تُذكر. وتوجد كذلك نسخة من خطاب لجوتربوك محفوظة فى أرشيف الجمعية الألمانية، واستطاع الباحثون بعد ذلك الوصول إلى هذه المراسلات. وتكمن أهمية هذه الوثائق فى أنها تقدم معلومات وشهادات من الجانب الألمانى نفسه حول ما حدث منذ اكتشاف الرأس وحتى وصوله إلى برلين. وهى معلومات ننشرها الآن لأنها يمكن أن تساعدنا على إعادة فهم قصة خروج رأس نفرتيتى من مصر. وهذه أول مرة ننشر فيها هذه التفاصيل المرتبطة بالمراسلات والشهادات الألمانية حول الرأس. وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.