توقيت القاهرة المحلي 03:14:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الوزير الخائن دمر الفسطاط (2)

  مصر اليوم -

الوزير الخائن دمر الفسطاط 2

بقلم : زاهي حواس

أمر الوزير الخائن شاور بن مجير السعدى جنوده فى يوم 22 نوفمبر عام 1168 ميلاديًا بإحراق الفسطاط، أعظم حاضرة إسلامية عرفتها الإنسانية. وحسب ما رواه المؤرخ ابن الأثير فإن النيران ظلت مشتعلة فى الفسطاط 54 يومًا وقد أتت على معظم عمائر وأحياء الفسطاط بما فيها جامع عمرو بن العاص الذى احترق منبره ومحرابه. احترقت الفسطاط بكنوزها وذخائرها، ولم يوقف احتراقها تقدم الصليبيين الذين قاموا بحصار أسوار مدينة القاهرة التى لم ينقذها سوى قدوم جيش نور الدين محمود مرة أخرى بقيادة أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين الأيوبى. وبمجرد أن علم عمورى قائد جيش الصليبيين بقدومهما حتى أسرع بالانسحاب خشية أن يتم حصاره بين جيش نور الدين محمود وسكان القاهرة. وبعدما دخل أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبى إلى القاهرة تم عزل الوزير شاور والقبض عليه وإعدامه فى يناير عام 1169 ميلاديًا بعد أن تسبب بخيانته وحماقته فى ضياع أعظم حاضرة إسلامية، بعدها بأسابيع قليلة يموت الوزير شيركوه ويتولى صلاح الدين منصب الوزير ليقوم بإنهاء حكم الفاطميين وبداية عصر الدولة الأيوبية فى مصر. ويبقى السؤال: ما الذى حدث بعد ذلك للفسطاط؟

أصبحت الفسطاط خرابًا، وأخذ أهل القاهرة يأخذون منها ما يصلح من مواد البناء. بعدها وتحديدًا فى نهاية القرن الثانى عشر الميلادى تتحول الفسطاط إلى موضع للتخلص من القمامة ومخلفات مدينة القاهرة وضواحيها بعد اتساعها الهائل خلال العصر الأيوبى (1171– 1250م). هل يمكن تخيل أن كنوز الفسطاط ظلت دفينة أسفل أطنان من النفايات والمخلفات لقرون عديدة حتى أوائل القرن التاسع عشر لتكتمل فصول المأساة؟! فقد تحولت خرائب الفسطاط إلى ركام من المواد العضوية المتحللة بفعل مئات السنين، وقد تحولت إلى سباخ عضوى يأخذه الفلاحون لتسميد أراضيهم.. فى حين ترقد ثروات من التحف الأثرية تحت بقايا البيوت المتهدمة والمحترقة! استمر تجار السباخ فى نقله من الفسطاط وبيعه للفلاحين ومعهم استمر النباشون فى نهب الكنوز المطمورة تحت أطلالها. والنتيجة تسرب آلاف التحف الأثرية إلى تجار الآثار الأجانب الذين كانوا قد وفدوا إلى مصر لتجريفها من تاريخها وآثارها! لقد زينت التحف الأثرية المنهوبة من الفسطاط متاحف أوروبا والمجموعات الخاصة بقصور النبلاء والأثرياء قبل أن ينتبه عالم الآثار المصرى على بهجت، وكيل دار الآثار العربية، سنة 1912، إلى خطورة ما يحدث فى الفسطاط من أعمال نهب وسرقة. بدأ على بهجت ومساعده الفرنسى ألبرت جابريل أعمال الحفر والتنقيب فى الفسطاط فى صيف 1912 بموافقة لجنة الآثار العربية التى كانت تشرف على إدارة المتحف الذى يُعرف كذلك بدار الآثار العربية، النواة الأولى لمتحف الفن الإسلامى الآن. الغريب أن بهجت ومساعده لم يعثرا فقط على آلاف التحف الأثرية تحت أطلال المدينة بل كشفا عن جزء من الفسطاط وعدد من منازلها بتخطيطها الأصلى البسيط؛ عبارة عن فناء مكشوف يتوسط غرفًا متوسطة الاتساع، ويحتوى كل بيت على قاعة كبيرة مستطيلة. وقد كشفت بقايا البيوت أنها كانت مبنية بالآجر بشكل جيد ومزودة بالمرافق الصحية وأنابيب المياه الجارية. ولم تكن تزيد على طابقين، وذلك على الأقل فى الجزء أو الحى الذى تم الكشف عنه، حيث نعرف مما ذكره المؤرخون الرحالة الذين زاروا الفسطاط وأقاموا بها أنه كانت توجد بها منازل فخمة ترتفع إلى ستة طوابق، وفنادق ضخمة وخانات ومساجد ودور للعلم.

لفتت حفائر المرحوم على بهجت الأنظار إلى أهمية الفسطاط التى تغنى المؤرخون بجمال منازلها وقصورها وبساتينها التى تحيط بالمدينة وطرقاتها وأسواقها ومتاجرها ومصانعها وحماماتها.

كان من نتائج حفائر على بهجت تنظيم وتحديد أعمال تجار السباخ، وتم إصدار تراخيص منظمة لعملهم. واستطاع بهجت تحجيم أعمال النهب والسلب المنظمة لكنوز الفسطاط وتهريبها إلى تجار الآثار. بالإضافة إلى الكشف عن كنوز من أعمال النسيج، والأخشاب، والخزف، والفخار، والزجاج والمعادن التى ملأت خزائن وردهات دار الآثار العربية. فما كان من أعضاء لجنة حفظ الآثار العربية سوى الهجوم الضارى على المرحوم على بهجت ومساعده الفرنسى بدعوى امتلاء المخازن بالتحف الأثرية وتركها بدون تسجيل، فى حين دافع كل من عالم الآثار الإنجليزى الشهير كارمون كريزويل وهارى فارنر أعضاء لجنة حفظ الآثار العربية عن على بهجت باعتباره الأثرى الذى أنقذ ثروات الفسطاط التى ظلت تنهب عن طريق تجار السباخ والنباشين لعشرات السنين. وفى عام 1920 تم إيفاد بهجت إلى باريس فى مهمة علمية قام خلالها بإعداد كتابه الأول عن حفائر الفسطاط وزوده بكتالوج نادر للصور يوثق أعمال الحفر والتنقيب. وقد صدر فى باريس باللغة الفرنسية سنة 1921، وترجم بعدها للعربية.

أما الكتاب الثانى عن الخزف الإسلامى فقد عكف بهجت على إعداد مادته وهو فى باريس وعاد بها إلى القاهرة سنة 1924 لكنه لم يُنشر إلا سنة 1930، وذلك لأن على بهجت كان قد انتقل إلى رحمة الله فى مارس سنة 1924 بعد أيام قليلة من عودته إلى مصر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الوزير الخائن دمر الفسطاط 2 الوزير الخائن دمر الفسطاط 2



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt