توقيت القاهرة المحلي 23:54:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني

  مصر اليوم -

إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني

بقلم:مصطفى فحص

الالتباس اللبناني معضلة وجودية مزمنة، ناتجة من حقبات متعاقبة من الهيمنة والوصايات والاحتلالات. وقد أفرزت هذه العوامل خطابين: كلاهما وطنيّ بالنسبة لمتبنّيهما، لكنهما في الواقع متنافران، يعكسان بدقّة الانقسام اللبناني العمودي والأفقي حيال القضايا الكبرى والصغرى، الداخلية منها والخارجية، منذ نشأة الكيان.

سابقاً وحديثاً، أدّى هذا الانقسام إلى بروز مواقف وشعارات «وطنية» و«سيادية» و«استقلالية» ملتبسة، تفتقر إلى تعريف موحّد للسيادة، أو فهم مشترك للاستقلال، أو توصيف جامع للوطنية؛ ما جعلها عرضة لتأويلات متناقضة تبعاً للمصلحة السياسية، والانتماء الآيديولوجي أو الجماعاتي. وقد انعكس هذا التضارب سلباً على بناء الدولة ووحدة قرارها الوطني، وتسبّب بتموضعات متناقضة في صراعات الإقليم؛ وهو ما يتمظهر اليوم في المعادلة الشائكة والمقاربة الحسّاسة بين إيران وإسرائيل.

بين إيران التي خسرها لبنان (بصفتها داعماً سياسياً لكل اللبنانيين لا لفئة معيّنة)، وإسرائيل التي يستحيل كسبها أو وصفها حليفة أو قريبة من أي طرف لبناني، أو وقف تهديداتها أو ردعها عسكرياً، يتجلّى الالتباس اللبناني في الموقفين الرسمي والنخبوي.

فالموقف الرسمي واضح وصريح، ويعبّر عنه وزير الخارجية يوسف رجّي في السقف الذي تلتزم به الحكومة لناحية هدف المفاوضات مع إسرائيل. أمّا فيما يتعلّق بطهران، فمن الضروري أن يتشدّد الوزير رجّي دبلوماسياً في مطالبتها بالكفّ عن التدخّل في الشؤون الداخلية، لكن من الأفضل – بصفته رئيساً للدبلوماسية – أن يتوجّه إلى طهران نفسها، لا للمجاملة، بل ليسمعِها خطاباً صريحاً: خطاباً يحمي العلاقات التاريخية بين الشعبين، ويشرح للقيادة الإيرانية، التي تعاني حالة إنكار، الفرق بين الدور المرحَّب به والنفوذ أو الهيمنة المرفوضَين. كما يوضح أنّ روابطها الثقافية والتجارية والاجتماعية يجب أن تشمل جميع الجماعات اللبنانية، وليس من شأنها التذرّع بحماية جماعة معيّنة، بل من شأن الدولة وحدها حماية مواطنيها. أمّا الخصوصية الشيعية، فإن الكلام الواضح والصريح في طهران هو حماية لشيعة لبنان ولدورهم، وحفاظ على الروابط الثقافية والروحية التي تجمعهم بإيران.

الأفضل أن تسمع القيادة الإيرانية في طهران، من مسؤول لبناني رفيع، أنّ لبنان وشيعته ليسا منصة أو أداة توسّعية أو استراتيجية بيد طهران، وأنّه غير مسموح بالمغامرة بأبناء طائفة مؤسسة في صراعات المنطقة نتيجة انتماءات عقائدية. وبما أنّ العلاقات الدبلوماسية قائمة، فلا مفرّ من التعامل مع إيران بوصفها خصماً سياسياً هيمن على لبنان في فترة معيّنة، لا عدواً وجودياً، على غرار ما فعلته دول عربية شقيقة، ويبرز النموذج السعودي هنا مثالاً على التعامل الواقعي والمسؤول.

وفي المقلب الآخر، لا يمكن، في سياق «الالتباس اللبناني»، خصوصاً عند بعض النخب، اعتبار السلام مع العدو الإسرائيلي مجرّد خيار أو رغبة سياسية. فرغبوية بعض اللبنانيين بسلام مستعجل، على غرار نماذج ملتبسة حصلت في السنوات الأخيرة في الظروف الحالية، خيار مرفوض لدى ما لا يقلّ عن نصف اللبنانيين. ونموذج اتفاق «17 أيار» (مايو) 1983، (اتفاق أمني - سياسي بين لبنان وإسرائيل) الذي وُقّع في ظلّ الاجتياح، لم يُفضِ إلى سلام، وقد تخلّى عنه من فاوض لأجله، لا من ادّعى أنّه أسقطه فيما يعرف بانتفاضة 6 شباط (فبراير) العسكرية سنة 1984 ضد حكومة الرئيس أمين الجميل. وتُظهر التجربة السابقة أنّه كلّما اقتربت النخب اللبنانية من التفكير في السلام وفق شروط وطنية، اصطدمت باستحالته البنيوية.

ولا يعني ذلك إغراق لبنان في أعباء الصراع العربي – الإسرائيلي، بل الاعتراف بوجود عوائق بنيوية داخلية تجعل من المستحيل تمرير أي سلام منفرد لا يندرج ضمن حل عربي شامل، أو ضمن المسار الذي تقوده الرياض والمشروط بـ«حلّ الدولتين». وهو مسار تدركه دمشق أيضاً؛ إذ تسعى إلى اتفاقات أمنية تضع حداً للنزاع المسلّح، وليس بإنهاء الصراع، الذي قد يتّخذ أشكالاً أخرى غير عسكرية.

وعليه، فإن الالتباس اللبناني بين إيران وإسرائيل يحتاج إلى تفكيك. فالمشتركات بين إيران دولةً وشعباً، وبين شعوب ودول المنطقة، كبيرة وعميقة، وتتجاوز أفعال النظام وارتكاباته. أمّا في إسرائيل، فهناك مجتمع متشدّد لا يعترف بأيّ آخر، وقد أظهر موقفه فيمن يمثّله سياسياً؛ مجتمعٌ، بأغلبيته، لا يملك أدنى قاسم مشترك مع شعوب المنطقة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt