توقيت القاهرة المحلي 00:37:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن المختارة والمصالحة والمصارحة لبنانياً

  مصر اليوم -

عن المختارة والمصالحة والمصارحة لبنانياً

بقلم:مصطفى فحص

المصارحة، بمعناها السياسي والاجتماعي، هي أكثر ما تحتاجه الجماعات الطائفية اللبنانية إذا كانت راغبة في مصالحة حقيقية. والمصارحة والمصالحة معاً متعدّدتان في الشكل، والمعنى، والمضمون، إذ يمكن أن تكون المصارحة داخل الجماعة الواحدة، أو بين جماعتين، أو بين مختلف الجماعات. وهذه ليست مسؤولية النخب الجماعاتية أو الوطنية فقط، بل هي أيضاً مسؤولية الدولة التي لا تزال بنظر جزء من اللبنانيين غير الجماعاتيين قاصرة، ومقصّرة، إما بسبب تركيبة نظامها ووظائفها الطائفية، وإما بسبب النخبة الحاكمة.

في الجماعة الواحدة، سواء كانت محصورة في الجغرافيا اللبنانية، أو ممتدة خارجها، كما هو الحال لدى الدروز والشيعة، يتمترس القلق الذاتي، الفردي أو الجمعي المركّب، حول هواجس خاصة وعامة، مرتبطة بقضايا وطنية، وأخرى قومية. في لحظات الشعور المؤقت بازدياد الدور أو القوة، داخلياً وخارجياً، تتراخى الجماعة، لكنها تضطرب عندما تشعر بانحصارهما، فتلجأ إلى التشدد، مما يرفع منسوب القلق على الحاضر والمستقبل. عندها، تختلط الأولويات، فيتراجع الوطني لصالح العقائدي، والعام لصالح الخاص، والقومي لصالح الذاتي، وتصبح النجاة قضيتها الأساسية. وهنا تكمن الخطورة، إذ قد تعتقد الجماعة أو الأقلية أن تصرفها كجماعة قومية أو عرقية سينقذها في لحظة انتكاسة وطنية أو قومية.

عند المفاصل التاريخية للجماعة الطائفية، أو في تاريخ الجماعات الطائفية المفصلي، يبرز الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في انقلابه على السائد الجماعاتي لصالح العام الوطني، مستعيناً بإرث جنبلاطي، وتجربة مريرة من الصراعات اللبنانية - اللبنانية حول معضلة النظام، والهوية، والانتماءات الكبرى. فهو يتخطى الخصوصيات إلى درجة اتهامه من بعض المتحصنين خلف الهاجس الأقلوي أو الداعين إليه بالمغامر. لكن مشهد قصر المختارة الأخير، في الذكرى الـ48 لاغتيال كمال جنبلاط، وخطابه، شكّلا رسالة واضحة عن استعداده لتجاوز المحرمات الجماعاتية، والتعميم الطائفي، ورفضه القاطع لخصوصية أقلوية تريد وضع دروز سوريا خارج منطق التاريخ والجغرافيا. وهي فعلاً مغامرة كبرى، فإن نجحت، أنقذت أوطاننا من مشاريع التقسيم، وتحالف الأقليات، وإن فشلت ودفعَت الأقليات الثمن، فستكون شهادة على محاولة بعض المقامرين تقرير مصيرها. يقول جنبلاط: «اللهم قد بلغت».

يقول صديق الجنبلاطيين الراحل هاني فحص في مقارنته بين الأب والابن: «لأن كمال جنبلاط كان واقعياً، كان درزياً ولا طائفياً بنفس القوة، وهنا يوازي وليد جنبلاط أباه ويشبهه، في إبقاء الدروز أو الدرزية بمثابة احتياطي ذهبي وطني، أي إعادة بناء الجماعة الوطنية الدرزية على معايير مصرفية وتنموية وعقلانية، أكثر اندفاعاً نحو الاندماج، مع الإبقاء على السياج الوطني والقومي حفاظاً على هذه الجماعة». والاندماج هنا، سواء في لبنان أو سوريا أو سائر المشرق، لا يعني الدروز وحدهم، بل المسيحيون والشيعة في لبنان معنيون به أكثر من غيرهم. وهذا لا يعني التسليم لحكم الأغلبية، بل إقامة شراكة وطنية وعربية.

في كلمته أمام البرلمان اللبناني، دعا رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» سامي الجميّل، وبشجاعته المعهودة، إلى المصارحة والمصالحة. وفي خطابه، تخطّى المحظورات الجماعاتية، مما قد يكلّفه خسارة جزء من رصيده بسبب المتشددين، أو دعاة التمايز الطائفي. لكنه، في تقديمه العام على الخاص، يصرّ على رفض القطيعة بين اللبنانيين، ويدعو إلى تحويل المعاناة التي مرّت بها الجماعات الطائفية، وتجاربها الخاصة، من صعود وسقوط وتضحيات، إلى مشترك وطني عام. فكل جماعة عانت من أحادية سرديتها، واعتقادها بأحقيتها، فيما دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة لذلك.

بين وليد جنبلاط وسامي الجميّل، وإرثهما (العائلي، الحزبي والطائفي)، تقف الجماعة الشيعية أمام نموذجين لم يقطعا مع ماضيهما، ولكنهما يرفضان أن يضعاه على كتف المستقبل. فالجماعة الشيعية معنيّة، أكثر من غيرها، بمصارحة داخلية أولاً، ومصالحة وطنية ثانياً، وهذا مرتبط بمدى انسجامها مع مقتضيات المرحلة، وقدرتها على البحث عن حلول وطنية، بدلاً من التمترس مجدداً حول الهويات الخاصة، التي قد تتحوّل إلى مقتلة.

في النموذج اللبناني، المصارحة حاضرة، لكن المصالحة غير مكتملة، إذ تعطلها مصالح بعض النخب الحاكمة، التي ترفع شعارها في لحظة وطنية استثنائية، ثم تعود لتقييدها عندما تشعر بفقدان السيطرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن المختارة والمصالحة والمصارحة لبنانياً عن المختارة والمصالحة والمصارحة لبنانياً



GMT 06:11 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

تفاءلوا

GMT 06:09 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

السّعودية وفنّ السّياسة والتَّدبير

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

GMT 06:04 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

كيف نجحت الصين في إدارة أزمة النفط؟

GMT 06:02 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

عن إيران التي تتغير

GMT 05:59 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

أزمة «الدفاع» البريطانية

GMT 05:56 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

باكستان الجديدة

GMT 05:53 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

ما يخفيه الخبر العاجل

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 20:04 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

قرص واحد "يطيل عمر" مرضى سرطان البروستات

GMT 07:05 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شكري يستقبل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي الأحد

GMT 00:39 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

هنا الزاهد وزوجة كريم فهمي تثيران الجدل بفساتين قصيرة

GMT 19:10 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

روبي تشاهد العرض المسرحي "علاء الدين"

GMT 00:00 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رمضان صبحي يؤجل إعلان مصيره مع الأهلي

GMT 08:45 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

"أبل" تُطلق جهاز "Homepod Mini" و3 هواتف جديدة

GMT 07:42 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

كشف غموض فتاة توفى زوجها بسببها في تكساس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt