توقيت القاهرة المحلي 13:35:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لا يوجد في العراق نصف غاندي وربع مانديلا

  مصر اليوم -

لا يوجد في العراق نصف غاندي وربع مانديلا

خيرالله خيرالله

ينطبق على العراق هذه الأيّام مثل فرنسي يقول “كلّما تبدّلت الأمور، كلما بقي كلّ شيء على حاله”، فلا شيء يتغيّر في العراق منذ العملية العسكرية الأميركية في العام 2003 والتي توّجت بإسقاط النظام العائلي ـ البعثي الذي كان على رأسه صدّام حسين.

نعم، لم يتغيّر شيء في العراق. رحل نوري المالكي وحلّ مكانه الدكتور حيدر العبادي. كانت هناك آمال كبيرة معلّقة على الأخير قبل أن يتبيّن أن الأمور تسير نحو الأسوأ.

ما يؤكّد ذلك، أن تكريت، التي تحرّرت من “داعش”، لا تزال خالية من أهلها وذلك بعد مضي أسابيع عدة على دخول الجيش العراقي إليها. تبيّن بكل بساطة أن الإمرة في تكريت لا تزال للميليشيات الشيعية التي تعمل تحت راية “الحشد الشعبي” والتي تولت الانتقام من أهل تكريت ونسف بيوتهم ونهبها من منطلق أنّها مسقط رأس صدّام حسين. هل يبني الانتقام دولا ومؤسسات حديثة؟ ألا يوجد في العراق، هذا البلد الغنيّ بالرجال، نصف غاندي وربع نيلسون مانديلا؟

إلى متى يستمرّ العمل بروح الانتقام في العراق؟

ما هو مستغرب بالفعل تكرار تجربة تكريت في محافظة الأنبار حاليا بعدما استطاع “داعش” السيطرة على مدينة الرمادي فيها. هناك حملة عسكرية باشرت بها الميليشيات الشيعية من أجل استعادة الرمادي. أطلقت على هذه الحملة تسمية “لبيك يا حسين” وكأن الحسين حكر على قسم من العراقيين الذين يسعون إلى الانتقام له.

قبل كلّ شيء هذا تزوير للوضع السائد في العراق تاريخيا. هناك شيعة وسنّة يطلقون على أبنائهم اسم حسين. كلّ ما في الأمر أن هناك رغبة، لدى جهات معيّنة، في استغلال “داعش” لإثارة الغرائز المذهبية وتعميق الشرخ المذهبي في البلد بهدف الحؤول دون أن تقوم له قيامة في يوم من الأيّام.

لو لم يكن الأمر كذلك، لكانت الحكومة العراقية اعترضت فورا على رفع شعار “لبيك يا حسين” ولم تنتظر ردّ الفعل الأميركي ورد فعل رجل دين وزعيم سياسي مثل مقتدى الصدر، كي تبدأ في التفكير في كيفية اعتماد شعار مختلف لا يستفزّ أهل السنّة.

    هناك رغبة لدى جهات معيّنة في استغلال داعش لإثارة الغرائز المذهبية وتعميق الشرخ المذهبي في البلد بهدف الحؤول دون أن تقوم له قيامة في يوم من الأيام

في كلّ الأحوال، جاء تغيير الشعار متأخرا. الأهم من ذلك، أن ليس ما يدل، إلى الآن، أن تغييرا حصل في العقلية التي تتحكّم بالحكومة العراقية التي يُفترض أن تكون حكومة لكلّ العراقيين.

ما نشهده حاليا في العراق، يندرج في مسلسل يصبّ في توفير حاضنة شعبية لـ”داعش”. من يريد بالفعل تحرير الرمادي والعمل مستقبلا على تحرير الموصل، لا يلجأ أوّلا إلى الميليشيات الشيعية التي لا تؤمن سوى بكيفية تصفية حساباتها مع السنّة العرب. بكلام أوضح، لا رغبة حقيقية في مواجهة “داعش”. على العكس من ذلك، هناك رغبة في الانتهاء من العراق الذي عرفناه في ضوء سيطرة الميليشيات الشيعية على بغداد. ليس صدفة أن الإعداد للحملة على “داعش” في الرمادي، ترافق مع منع أهلها، الهاربين من الإرهاب والإرهابيين، من دخول بغداد والإصرار على أن يكون هناك كفيل لكلّ من يريد اللجوء إلى العاصمة تفاديا لظلم “داعش” وبطشه ووحشيته.

في النهاية، هل تريد الحكومة العراقية قتال “داعش” أم لا؟ الواضح، أنّها تسعى إلى استغلال “داعش” وليس العمل من أجل التخلّص منه. هذا ما يحصل في سوريا أيضا حيث يفضّل النظام المدعوم من إيران ومن الميليشيات الشيعية، على رأسها “حزب الله”، تسليم مناطق معيّنة إلى “داعش”. هذا ما حصل أخيرا في تدمر أمام أنظار العالم بهدف واضح كلّ الوضوح. كلّ ما يريده نظام بشّار الأسد الترويج لفكرة خاطئة هي أنّه في حرب مع “داعش”. العالم كلّه يعرف من شجع “داعش” وأطلقها مجدّدا، بما في ذلك نوري المالكي نفسه الذي راح يشكو إبان ولايته الأولى كرئيس للوزراء من إرسال بشّار الأسد إرهابيين إلى العراق لتنفيذ عمليات تخريبية فيه.

لا حاجة إلى التذكير أيضا بأنّ السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” يسعى إلى تخويف اللبنانيين، خصوصا المسيحيين منهم من “داعش”. يحصل ذلك في وقت يعرف كلّ لبناني يمتلك ذرة من العقل والمنطق، أنّه إذا كان من سبب لوجود أيّ خطر، على لبنان، مصدره “داعش”، ففي أساس هذا الخطر تورّط الحزب في الحرب التي يشنّها النظام على شعبه من منطلق مذهبي بحت.

حتّى عبدالملك الحوثي، زعيم “أنصار الله” في اليمن، صار يستعين بـ”داعش” لتبرير الحملة التي يقوم بها في اليمن من أجل تحويله مستعمرة إيرانية تستخدم قاعدة لتهديد المملكة العربية السعودية خصوصا ودول الخليج العربي عموما.

لن يتغيّر شيء في العراق وغير العراق قبل أن تتغيّر ذهنية معيّنة تراهن على الغرائز المذهبية وتستثمر فيها. مثل هذه الذهنية المريضة جزء لا يتجزّأ من المشروع التوسّعي الإيراني الذي يستهدف العراق. يقوم هذا المشروع على فكرة تغيير طبيعة المجتمع العراقي وتكريس الشرخ المذهبي فيه إلى ما لا نهاية. هل من خدمة لـ”داعش” أكبر من هذه الخدمة، علما أن “داعش” قد يظهر مستقبلا تحت تسمية مختلفة ليرتكب الفظاعات نفسها؟

من حسن الحظ أنه لا تزال هناك أصوات عاقلة في المنطقة تدعو إلى التروي واستخدام المنطق. من بين هذه الأصوات الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة الذي قال على هامش زيارة لموسكو “إنّ محاصرة الإرهاب والقضاء عليه، لا يمكن أن تتمّا دون معالجة أسباب ظهوره وانتشاره في المجتمع. إنّها أسباب خلّفها نظاما دمشق وبغداد بقمعهما لشعبيهما وعدم تحقيق المساواة بين مواطني البلدين دون تمييز بين عرق أو دين أو طائفة”، مضيفا “لو تمكنا من القضاء على دعش واخوته من التنظيمات الإرهابية، سيولد من جديد، ما لم تتمّ معالجة أسباب ظهوره من الجذور”.

لا مفرّ من العودة إلى الجذور. والعودة إلى الجذور تعني تغييرا في العراق وسوريا وفي كلّ مكان فيه ميليشيات شيعية. بوجود هذه الميليشيات يبدو “داعش” مستقبل المنطقة. اليوم تحت هذا الاسم وغدا تحت اسم آخر..

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لا يوجد في العراق نصف غاندي وربع مانديلا لا يوجد في العراق نصف غاندي وربع مانديلا



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt