توقيت القاهرة المحلي 11:27:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

"الحياد" الاوكراني على طاولة بوتين

  مصر اليوم -

الحياد الاوكراني على طاولة بوتين

خيرالله خيرالله
بقلم - خيرالله خيرالله

ذهب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيدا في المكابرة. لم يعد يعتقد انّه قيصر روسيا المقيم في الكرملين فحسب، بل يعتقد ايضا أنّه قيصر العالم. سيتمكن بوتين، على الارجح، بفضل ما يمتلكه من قوّة ناريّة من تدمير أوكرانيا وتشريد ملايين الاوكرانيين، تماما كما حصل في سوريا حيث شارك بشّار الأسد وإيران في الحرب على شعبها المستمرّة منذ أحد عشر عاما.

لدى بوتين أهدافه في أوكرانيا وهو مصرّ على دخول كييف. يسعى الى فرضها على الاوكرانيين وعلى العالم. يريد وضع أوكرانيا تحت الوصاية الروسيّة. تكمن مشكلة الرئيس الروسي في انّه يخلط، على الرغم من امتلاكه الصواريخ والقنابل النووية، بين القوّة العسكريّة والسياسة. يظنّ ان لديه ما يكفي من القوة العسكرية ما يسمح له بتنفيذ السياسة التي يؤمن بها مع ما يعنيه ذلك من وضع اليد على اوكرانيا. لا يدري انّه كان في استطاعته، بمجرد حشد جيوشه على الحدود الروسيّة الاوكرانيّة، التفاوض، من مركز قوّة، مع الاوكرانيين أنفسهم ومع قوى أوروبية مؤثّرة وحتّى مع الإدارة الاميركيّة من اجل التوصل الى ضمانات معيّنة كان يبحث عنها.

تظلّ التسويات السياسية اقلّ كلفة من الحرب. هذا ما لم يدركه في الماضي عقل مثل عقل صدّام حسين لم يتخيّل في ايّ لحظة معنى اجتياح الكويت وجعلها المحافظة العراقيّة الـ19. لم يقدّر، في العام 1990، اهمّية الكويت بالنسبة الى العالم والمنطقة وأنّ ليس مسموحا للعراق التحكّم بثروته النفطية وثروة الكويت في الوقت ذاته. لم يكن صدّام يعرف العالم او التوازنات في المنطقة. لم يعِ انّ ضمّ الكويت سيعني تهديدا لكلّ دولة من دول المنطقة، بما في ذلك المملكة العربيّة السعوديّة. هذا ما يفسّر ردّ فعل هاشمي رفسنجاني، الرئيس الإيراني وقتذاك. ردّ رفسنجاني على رسالة بعث بها اليه صدّام، طالبا دعم "الجمهوريّة الاسلاميّة" بعيد اجتياحه الكويت، بقوله: "... امّا شرف منازلة الشيطان الأكبر (اميركا) في الكويت، فإنّنا نتركه لكم". كان مبعوثا الرئيس العراقي الراحل الى رفسنجاني طارق عزيز وبرزان التكريتي (الأخ غير الشقيق لصدّام). ابلغني برزان شخصيّا وبالتفاصيل الدقيقة لما دار بين طارق عزيز وبينه في اللقاء الطويل مع رفسنجاني.

على الرغم من وجود فروقات كبيرة بين أوكرانيا والكويت، وعلى الرغم من انّ روسيا دولة نوويّة، يظلّ أنّ ما ينطبق على صدّام ينطبق، الى حدّ ما، على فلاديمير بوتين الذي لم يقدّر ردّ الفعل الأوروبي على غزوة أوكرانيا. ثمّة أمور كثيرة أخرى لم يقدرها الرئيس الروسي الذي يعيش في عالم وهمي صنعه لنفسه، على غرار العالم الوهمي الذي حصر بشّار الأسد نفسه فيه وجعله غير مدرك لما حلّ بسوريا والسوريين والابعاد المترتبة على تدمير المدن السوريّة وتمكّن إيران من اجراء تغييرات ديموغرافية ذات طابع مذهبي في غير منطقة، خصوصا في محيط دمشق وعلى طول الحدود السوريّة مع لبنان. أكثر من ذلك، لم يستوعب بشّار الأسد ان بلده تحت خمسة احتلالات، بما في ذلك الاحتلال الإسرائيلي للجولان والوجود العسكري الروسي بشكل قواعد عسكريّة في حميميم، قرب اللاذقيّة، وطرطوس.

عاجلا ام آجلا، سيجد فلاديمير بوتين نفسه مضطرا للاعتراف بأنّ لدى روسيا التي حجم اقتصادها دون حجم الاقتصاد الإيطالي، نقاط ضعف كثيرة. لا تقتصر هذه النقاط على الاعتماد الكلّي للاقتصاد فيها على النفط والغاز وتصدير السلاح، بل أنّ المجتمع الروسي نفسه صار عجوزا ويعاني من ترهّل لا تعاني منه ايّ دولة أخرى في العالم. فوق ذلك كلّه، تعاني روسيا من تدهور في مجال التغوّل في الاعتداء على الطبيعة من اجل استخراج الثروات الموجودة في باطن الأرض.

ما لا بدّ من ملاحظته أيضا، انّ أصحاب الثروات الكبيرة في روسيا، وبينهم عدد كبير من اليهود المنتمين الى الحلقة المحيطة بالرئيس الروسي، يبحثون حاليا عن طريقة لإنهاء الحرب في أوكرانيا. يبحث هؤلاء عن تسوية معقولة ومقبولة نظرا الى أنّ لديهم مصالح ضخمة وعلاقات دوليّة متشعبة بعيدا عن أوهام بوتين وجنونه.

يدرك رجال الاعمال الروس الكبار، من أصحاب المليارات الذين لديهم أيضا مصالح مع رجال اعمال اوكرانيين انّ التسوية ضروريّة وانّ كلمة السرّ هي كلمة "الحياد". هل يقبل بوتين بصيغة تحيّد أوكرانيا ام يستمرّ في مشروعه التدميري الذي جعل كلّ دولة اوروبيّة، بما في ذلك إيطاليا البعيدة وحتّى سويسرا، تشعر بأنّ شبح ادولف هتلر عاد وان القارة العجوز تعيش مرحلة صعود النازيّة في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانيّة منتصف ثلاثينات القرن الماضي؟

لدى الرئيس الروسي ما يدافع به عن موقفه من منطلق ان الغرب لم يحترم، مع انتهاء الحرب الباردة، تعهداته بالنسبة إلى تمدّد حلف شمال الأطلسي (ناتو) الى حدود روسيا. لكنّ الرد على اخلال الغرب بتعهداته لا يمكن ان يأخذ، في القرن الواحد والعشرين، شكل عمل عدواني يزيل دولة مثل أوكرانيا من الوجود ويهجّر قسما كبيرا من شعبها.

يقول المنطق انّ ثمة حاجة الى تسوية تقوم على "الحياد" الاوكراني. تبدو صيغة التسوية مطروحة على الطاولة امام بوتين الذي يفترض به إدراك انّ ما حصل من ردّ فعل في أوروبا كان انقلابا بكلّ معنى الكلمة. تشعر أوروبا بانّها صارت مهدّدة وانّ ما كان مسموحا وما لا يزال مسموحا به للرئيس الروسي في سوريا، ليس مسموحا في اوكرانيا. في سوريا، جرّب فلاديمير بوتين كلّ أنواع أسلحته بالشعب السوري.

بكلام أوضح، أوكرانيا، مسألة حياة او موت بالنسبة الى أوروبا التي ترى نفسها في حاجة هي الأخرى الى تسوية تغني عن مواجهة ستكلّفها، كما ستكلّف الكون، الكثير في عالم تخلت فيه الولايات المتحدة، حيث توجد إدارة حائرة، عن موقع القيادة وتبدو متجهة الى صفقة مع إيران ليس معروفا ما الذي سيكون تأثيرها على حلفائها في المنطقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحياد الاوكراني على طاولة بوتين الحياد الاوكراني على طاولة بوتين



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 06:03 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

محاكمة محمد رمضان بتهمة سب وقذف إعلامي شهير
  مصر اليوم - محاكمة محمد رمضان بتهمة سب وقذف إعلامي شهير

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt