توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أين سيتوقف الانحدار البريطاني

  مصر اليوم -

أين سيتوقف الانحدار البريطاني

بقلم : خيرالله خيرالله

المضحك المبكي في أحيان كثيرة الكلام الذي يصدر عن سياسيين لبنانيين وعرب عن دور بريطانيا في الشرق الأوسط والخطط البعيدة المدى التي ترسمها للمنطقة. يكشف هذا الكلام وجود نوعين من السياسيين اللبنانيين والعرب. نوع يعيش في الماضي ونوع على تماس مع الحاضر ومع التطورات التي شهدها وما زال يشهدها العالم. كلّ ما في الأمر، أن بريطانيا في حال انحدار ولا وجود لدهاء ولا لمن يريد ادعاء الدهاء بين سياسييها.

لعلّ المرّة الأخيرة التي كان فيها لبريطانيا دور أساسي في مجال اتّخاذ قرار كبير على الصعيد العالمي، هو في العام 1990. كان ذلك في مرحلة ما بعد الاحتلال العراقي للكويت والقرار المجنون الذي اتخذّه صدّام حسين باجتياح بلد جار مستقلّ يمتلك ثروة نفطية كبيرة واحتلاله. لعبت وقتذاك مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء، دورا حاسما في إقناع الرئيس جورج بوش الأب بأن ما ارتكبه صدّام حسين يجب ألّا يمرّ. يجب إخراجه من الكويت مهما كلّف الأمر ومعاقبته على الجريمة.

منذ اللقاء المشهور بين تاتشر وبوش، صيف 1990، لم يعد من مجال لأيّ تردّد أميركي من أيّ نوع. لم تمض أيّام على اللقاء، إلّا وبدأت التحضيرات لتشكيل تحالف عسكري دولي بعدما أعلنت السعودية وضع أراضيها في تصرّف الدول التي تريد إرسال قوات لتحرير الكويت وإعادتها إلى أهلها. ترافق ذلك مع موقف لا لبس فيه للرئيس الأميركي دفعته إليه تاتشر. تلخّص ذلك الموقف بأنّ أميركا “رسمت خطا في الرمال”. هذا الخط هو الحدود الدولية المعترف بها دوليا لدولة الكويت.

منذ العام 1956، تاريخ ما يسمّى “حرب السويس” المغامرة العسكرية الأخيرة لبريطانيا، من دون ضوء أخضر أميركي، ارتضى الأسد العجوز بدور اللاعب المساند للاعب الكبير هـو الولايات المتحـدة الأميركية. أجبر الرئيس دوايت أيزنهاور بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على وقف الحرب وذلك بعد إنزال جوي فرنسي ـ بريطاني في السويس وبعد احتلال إسرائيلي لسيناء.

أبلغت واشنطن البريطاني والفرنسي والإسرائيلي أنّه لا يحق لأيّ من الثلاثة الدخول في حروب من خلف ظهرها. هناك عرب كثيرون لم يفهموا في تلك المرحلة معنى ذلك. اعتقدوا أن انتصارا كبيرا حققه جمال عبدالناصر “على الاستعمار وأعوان الاستعمار”. صار زعيم مصر يستطيع، بفضل انتصار وهمي، قلب أنظمة عربية تتمتع بحدّ أدنى من الحسّ الحضاري، فكانت مأساة الوحدة المصرية ـ السورية في شبـاط (فبراير) 1958 ثمّ الانقـلاب الدموي على النظام الملكي في العراق في الرابع عشر من تمّوز ـ يوليو من تلك السنّة. كانت الوحدة بداية للمأساة السورية وكان يوم حصول الانقلاب العسكري في العراق اليوم الأخير الذي يعيشه العراقيون في ظروف طبيعية.

منذ 1956، قبلت بريطانيا العظمى بدور التابع للولايات المتحدة، فيما لم تجد فرنسا سوى الاندفاع في اتجاه أوروبا كي تحافظ على وضع يسمح لها بممارسة دور، وإن كان محدودا، على الصعيد الدولي. كان على فرنسا الاستسلام في الجزائر والخروج منها نهائيا في العام 1962 وكان على بريطانيا بدء الانسحاب من منطقة الخليج، خصوصا بعد اضطرارها إلى القبول باستقلال اليمن الجنوبي والخروج من عدن التي كانت محط اهتمام الاتحاد السوفييتي.

حتّى عندما انضمت في العام 1973 إلى المجموعة الأوروبية، التي صارت لاحقا الاتحاد الأوروبي، بقيت بريطانيا تغرّد خارج السرب الأوروبي. بقيت مرتبطة بتلك العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة. كان أفضل تعبير عن ذلك سير توني بلير إلى النهاية في ركب السياسة الأميركية تجاه العراق في عهد جورج بوش الابن.

في العام 1990، كانت مارغريت تاتشر تؤثّر في الرئيس الأميركي جورج بوش الأب. لم تترك أي مجال لأيّ نوع من التردّد عندما كان الموضوع مرتبطا بإخراج صدّام حسين من الكويت. في العامين 2002 و2003، لم يكن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير سوى موظّف في الإدارة الأميركية مهمّته الترويج لقرار الحرب على العراق. إنّه قرار أدّى إلى تدمير الشرق الأوسط، خصوصا بسبب غياب الرؤية الواضحة لما بعد الانتهاء من إسقاط نظام صدّام حسين. أكثر من ذلك، لم تمتلك بريطانيا أيّ تصوّر استراتيجي لما يمكن أن يصبح عليه العراق في ظلّ التشجيع الإيراني على الانتهاء من النظام القائم ومشاركة إيران للأميركيين والبريطانيين في الإعداد للحرب على العراق وفي الحرب نفسها لاحقا.

من الدور الذي لعبته مارغريت تاتشر في جعل جورج بوش الأب يسير في خطّ رسمته له… إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي اثر استفتـاء “بركسيت” الذي مضى عليه عام كامل، مرورا بالدور الذي لعبه بلير في الترويج للحرب على العراق إرضاء لبوش الابن فقط، تتابع بريطانيا سقوطها. هذا لا يعني بالطبع أن البلد سيفقد كلّ أهمّيته على الصعيدين الأوروبي والدولي، لكن الواضح أن مرحلة الانحدار مستمرّة.

من استفتاء “بركسيت” الذي صوّت فيه جهلة لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، من دون معرفة عواقب ذلك، إلى الانتخابات المبكرة التي دعت إليها تيريزا ماي في الثامن من حزيران ـ يونيو والتي أتت نتائجها بمثابة كارثة على حزب المحافظين، يصعب تصوّر كيف يمكن لدولة تمتلك كلّ هذه المؤسسات العريقة أن تصل إلى ما وصلت إليه في العام 2017.

هناك رئيسة للوزراء في السلطة وهناك في الوقت ذاته من يبحث عن بديل منها داخل الحزب الذي تنتمي إليه. يصعب لحزب حاكم المحافظة على تماسكه فيما الصراعات قائمة بين أكثر من وزير في الحكومة. هناك أيضا رئيسة للوزراء لم تحسن حتّى التعاطف مع ضحايا حريق البناية الكبيرة في لندن والكارثة التي نجمت عنها. هناك رئيسة للوزراء راهنت على خروج هادئ وبطريقة ناعمة من الاتحاد الأوروبي، فإذا بكل رهاناتها تسقط في ضوء فشلها في الحصول على أكثرية مريحة في مجلس العموم الجديد.

مأساة المآسي أن تكون تيريزا ماي التي تظهر للناس العاديين وكأنها امرأة لا تمتلك أي مشاعر إنسانية نجحت في تعويم زعيم حزب العمّال جريمي كوربن الذي لا يحظى بشعبية واسعة داخل حزبه نفسه. ليس كوربن سوى سياسي بريطاني من النوع الذي تجاوزه الزمن. يريد إعادة بريطانيا إلى ما قبل أيّام مارغريت تاتشر التي استطاعت خلق ثورة حقيقية جعلت للإمبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها بعض المكانة على الخارطة الدولية.

أين يتوقف الانحدار البريطاني؟ من الصعب الإجابة عن السؤال. الأكيد في الوقت الراهن أن تيريزا ماي لا تستطيع سوى الخروج من أوروبا من دون أن تكون مقبولة كحليف يمتلك كلمة في واشنطن…

المصدر : صحيفة العرب

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أين سيتوقف الانحدار البريطاني أين سيتوقف الانحدار البريطاني



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt