توقيت القاهرة المحلي 04:46:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فلول حسب الحاجة

  مصر اليوم -

فلول حسب الحاجة

عمرو الشوبكي

تتقدم النظم السياسية حين تضع قواعد قانونية ودستورية كمسطرة ثابتة لا تتغير حسب الظروف والأهواء، وتجبر الجميع على احترامها، هذا ما فعلته النظم الديمقراطية التى تقدمت حين أسست لدولة قانون لا تطبق على مقاس حزب أو جماعة أو مجموعة مصالح إنما ترسى قاعدة عامة يلتزم بها الجميع. وفى مصر فعل حكم الإخوان فى 6 أشهر عكس هذه المعانى، سواء بالإعلان الدستورى المعيب، الذى أعطى صلاحيات استثنائية للرئيس لكى يصفى حساباته مع القضاء، لصالح مشروع جماعته السياسى، أو بالمزايدة اليومية بموضوع الفلول واتهام كل المعارضين بأنهم إما فلول أو متحالفون مع الفلول، مثلما استخدم النظام السابق تعبير الجماعة المحظورة والقلة المندسة لمواجهة خصومه السياسيين، وكأن مصر على موعد مع الكلمات الملتبسة التى تجعل دائما ديمقراطيتها معطلة أو منقوصة. والحقيقة من الوارد أن يضع النظام الجديد منظومة قانونية متكاملة عرفت فى تجارب كثيرة بتجربة العدالة الانتقالية، وبمقتضاها يتم محاسبة رموز النظام القديم على أى جرائم ارتكبت بالقانون، وقلة من التجارب هى التى عزلت بعض رموز النظام القديم لفترة من الزمن مثلما حدث فى عدد محدود من بلدان أوروبا الشرقية حين عزلوا مثلا فى تشيكوسلوفاكيا رجال السياسة المتعاونين مع الأمن وليس كل أعضاء الحزب الشيوعى، وقدروا بالعشرات، فى حين كان عدد أعضاء الأحزاب الشيوعية السابقة يضم مئات الآلاف من الأعضاء. والحقيقة أن كل تجارب التحول الديمقراطى أقصت مرتكبى الجرائم من رجال النظام القديم، أما أعضاء الأحزاب القديمة العاديون فدخلوا فى النظام الجديد دون أى مشاكل - هل يعرف الناس أن مستشارة ألمانيا الحالية ميركل - كانت من «فلول» الحزب الشيوعى فى ألمانيا الشرقية، الذى اختفى ومعه البلد بأكمله ونفس الأمر ينسحب على باقى تجارب أوروبا الشرقية. إن المزايدة بموضوع الفلول على مئات الآلاف من المصريين ممن دخلوا الحزب الوطنى لسبب أو لآخر والعمل بكل قوة على إقصائهم حسب الطلب والحسابات يعد كارثة حقيقية لأنهم لم يعاقبوا على جرائم محددة، وكثير منهم لم يتورط فى أى قضايا فساد، وبعضهم الآخر دخل انتهازية أو فهلوة، بحثا عن منصب أو موقع عن طريق تملق حزب الحكومة، وهى كلها ظواهر - فيما عدا الجرائم - تحارب بالسياسة وببناء منظومة سياسية لا تسمح طبيعتها الجديدة والديمقراطية لصعود هؤلاء. والحقيقة أن الإخوان وحلفاءهم لم يهتموا مطلقاً ببناء أى منظومة جديدة إنما عاقبوا من سموهم الفلول ليس على «فلوليتهم»، إنما على خروج كثير منهم من خمولهم واستكانتهم داخل الحزب الحاكم ونزولهم الشارع ليعارضوا حزباً حاكماً جديداً لم يطرقوا أبوابه كما فعل آخرون من رفاقهم. والمفارقة أن إخوان الحكم هم الذين تحالفوا مع قيادات الاتحاد العام لعمال مصر ومعظمهم أعضاء فى الحزب الوطنى دون أى مشكلة، لأن الهدف كان تهميش دور النقابات المستقلة، ثم السير بعد ذلك بنفس طريقة الحزب الوطنى فى الإدارة، أى تغيير القيادات دون تغيير المنظومة، فصدر قانون ينص على استبدال القيادات النقابية، التى وصلت إلى سن المعاش بالمرشح الذى يليها فى عدد الأصوات، والسماح لوزير القوى العاملة باستكمال تشكيل مجالس إدارات المنظمات النقابية التابعة للاتحاد العام فى حالة حدوث فراغ لأى سبب. بديهيا، هذه تعد السلطة الممنوحة لوزير القوى العاملة المنتمى لجماعة الإخوان. ولهذا التعديل، كما ذكرت نادين عبدالله، الباحثة المتخصصة فى شؤون الحركات الاجتماعية والنقابية، دلالة كبرى: لا يبدو أن أولوية الوزير هى إصلاح مؤسسة نقابية فسدت سابقا بقدر ما يتعلق الأمر بكيفية الاستئثار بها. نعم، يتضح الآن أن التعاون الإخوانى مع بقايا النظام القديم داخل الاتحاد العام كان السبيل للسيطرة التدريجية عليه حين سنحت الفرصة. فرجال الأعمال الذين سافروا مع الرئيس فى رحلته إلى الصين، وأغلبهم كان من رجال الحزب الوطنى السابق، يتم التعامل معهم باعتبارهم رجال صناعة شرفاء يخدمون البلد، والآخرون الذين انضموا لحكومة الإخوان الجديدة كانوا أعضاء فى الحزب الوطنى، ولكنهم لم يعتبروا بالطبع فلولاً إنما هم تكنوقراط شرفاء يخدمون البلد من أجل الصالح العام. إن عملية الإصلاح والتطهير فى التجارب التى أسست لنظم ديمقراطية وليس استبدادية تحت ستار الدين أو الثورة أو الاشتراكية، هى التى حاسبت مرتكبى الجرائم من رجال النظم القديم، ولم تصف الحسابات أو تنتقم من «الأشخاص»، بنص دستورى كما جرى فى مصر، وعملت على وضع منظومة جديدة تماما تحول دون إعادة إنتاج «فلول» جدد مع النظام الجديد. إن معضلة أى تجربة جديدة ترغب فى بناء نظام جديد هى فى قدرتها على تفكيك المنظومة القديمة التى عاش فى ظلها رجال النظام القديم وليس استسهال الأمر بإقصاء أشخاص لحسابات سياسية وحزبية والإبقاء على المنظومة القديمة دون تغيير. ما الفرق فى الإعلام الحكومى حين تغير الوزير من عضو فى الحزب الوطنى إلى عضو فى جماعة الإخوان، أو حين تغير رؤساء تحرير الصحف من مقربين من الحزب الوطنى إلى مقربين من الإخوان المسلمين، هل تغيرت المنظومة القديمة فى شىء؟ لا شىء. إن معيار التقدم والديمقراطية ليس فى تلك الحملة الهيستيرية على الفلول، إنما فى امتلاك القدرة على تفكيك منظومة الفلول، لا الاحتفاظ بها وجلب أشخاص جدد، موالين للنظام الجديد كما جرى مع تجربة النائب العام، فنتيجة قرار الرئيس الخاطئ استقال النائب العام الجديد بعد أن رفضه أعضاء النيابة، وفى كلتا الحالتين لم يكن لبقاء النائب العام القديم أو تغييره خارج القانون أى إصلاح فى السلطة القضائية، فالهدف هو جلب الموالين لا الإصلاح. إذا جاء أنقى ثورى وأعظم إصلاحى وأفضل إسلامى على قمة المنظومة القديمة دون أن يمتلك رؤية واقعية لإصلاحها وإعادة بنائها فإنه سيديرها بنفس طريقة النظام القديم دون أى تغيير يذكر. مصر بحاجة لرؤية لتفكيك المنظومة القديمة، لا تصفية حسابات مع أشخاص لم يرتكبوا أى جرائم، تحت حجة أنهم فلول، فمنظومة الفلول التى يتمسك بها الإخوان هى الأخطر على مصر وهى القادرة على إعادة إنتاج النظام القديم فى صورة جديدة قد تكون أسوأ من النظام القديم. نقلاً عن جريدة "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فلول حسب الحاجة فلول حسب الحاجة



GMT 06:40 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

تأثير إلغاء الرسوم الجمركية

GMT 06:38 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

هرمز والعقوبات التى سقطت

GMT 06:36 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

مشهد واشنطن هيلتون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

النصر الساحق

GMT 06:32 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

حقيقية أم تمثيلية؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

النظام الشرق أوسطى!

GMT 06:29 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

سيناء تاج مصر

GMT 06:27 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

فلسطين فى السينما

نانسي عجرم وأنغام تتصدران موضة إطلالات السهرة اللامعة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:46 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

الأمير هاري يصل إلى كييف في زيارة غير معلنة

GMT 09:11 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

ياسمين صبري تتألق بإطلالات كاجوال ورياضية أنيقة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 02:07 2025 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

خطوات تفصل الزمالك للإعلان عن تجديد زيزو

GMT 11:14 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 09:34 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

تتيح أمامك بداية العام فرصاً جديدة لشراكة محتملة

GMT 23:16 2013 السبت ,21 أيلول / سبتمبر

مجموعة فيكتوريا بيكهام لربيع / صيف 2014
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt